المقالات الرائعة: شوف تشوف لرشيد نيني

Bienvenue sur mon blog

26 août, 2009

راس لبلا

Classé dans : Non classé — rachidnini @ 14:17

«هناك أوقات، وأعتقد أن هذا الوقت واحد منها، حيث لا يكفي قول الحقيقة، بل يجب الصراخ بها» «جيلبير سيسبرون

لا يكاد أحمد بنشمسي، مدير نشر مجلتي «تيل كيل» و«نيشان»، يترك فرصة تمر دون أن يتهم «المساء» بدفاعها عن النظام الأخلاقي الجديد في المغرب. فالأخلاق في هذا الزمن الأغبر أصبحت تهمة وليس فضيلة. وفي آخر عدد من مجلتيه والصادر خلال نهاية الأسبوع الماضي، خصص في ملفه حول «الإمام الأول» بابا أطلق عليه «وسائل الإعلام الدينية» من «الله يجيب» إلى «زدتو فيه»، يقول فيه ما يلي: «الجريدة الأكثر مقروئية في المغرب رأت في زواج المثليين المزعوم، المنظم من طرف «كراب» بالمدينة (القصر الكبير)، مسا بالمقدسات الإسلامية وطالبت بمحاربته،

لينجو «الكراب» المسكين بمعجزة من مشنقة شعبية بلا محاكمة ولا قانون. أشهرا قليلة بعد هذه الواقعة ستدان «المساء» بتهمة السب والقذف في حق أحد وكلاء الملك بالمدينة، اتهم على أعمدة اليومية خطأ بالمشاركة في العرس المزعوم، لكن سيحكم على «المساء» بغرامة خيالية (600 مليون)، مما جعل القضية تمر من كونها أخلاقية إلى إشكالية مضايقة الصحافة من قبل النظام… بغاو يكحلوها عماوها». انتهى كلام العالم العلامة أحمد بنشمسي.

بغض النظر عن الكذب الذي اعتاده بنشمسي في حق «المساء»، وفي حقي شخصيا، هناك رغبة مرضية (من المرض وليس من مرضات الوالدين) واضحة من طرف صاحبنا في تشويه صورة الجريدة التي اختارها المغاربة لكي تكون جريدتهم الأولى، فهو لا يوفر جهدا في اغتنام كل الفرص لإلصاق التهم الحاقدة بهذه الجريدة ومديرها، وتحويلهما إلى فزاعة مرعبة في وجه تقدم المغرب وتحوله من مجتمع مسلم متدين إلى مجتمع علماني منحل ومتفسخ يحلم به أسبوعيا بنشمسي.

تهمتنا الخطيرة، في نظر بنشمسي هي أن ما نقوم به يوميا ومنذ ما يقارب ثلاث سنوات من عمل صحافي ومهني، نسعى إلى أن يكون جادا رغم الطعنات الغادرة، هو عودة بالمغرب إلى الخلف عبر الدفاع عن منظومة أخلاقية جديدة.

وهذه التهمة كلفتني من جانب بنشمسي وحده افتتاحية مسمومة قبل سنة ونصف طالب من خلالها الدولة بتحمل مسؤولياتها أمام ما أكتبه يوميا، واصفا الوضع في المغرب ببرميل البارود الذي أرمي فيه كل يوم عود ثقاب، بمعنى أنني أحرض على الفتنة من خلال كتاباتي وأهدد السلم الاجتماعي للمغاربة، وبالتالي يجب البحث عن وسيلة لإخراسي وإيقاف هذا الخطر المدمر الذي اسمه رشيد نيني.

ولم يكتف بنشمسي بهذه الافتتاحية الفاشية وإنما أسس أرضية للدفاع عن الحقوق الفردية وجمع لها توقيعات مثقفين وكتاب وصحافيين وفنانين، اضطر بعضهم إلى سحب توقيعه بعدما عرف أن الحقوق الأساسية التي تدافع عنها أرضية بنشمسي هي حقوق الشواذ أولا وأخيرا. وبالفعل، كان هناك من استمع إلى نصيحة بنشمسي، فقامت القيامة ضد «المساء»، ولم يرتح بنشمسي وزبانيته إلا عندما قرر وكلاء الملك الأربعة متابعة «المساء» والمطالبة بإعدامها.

وهكذا وبمجرد ما بدأت المتابعة اختفت الأرضية واختفت التوقيعات وكتب بنشمسي أنه متضامن معنا في هذه المحنة، من باب «يقتل الميت ويمشي فكنازتو». عندما هدأت العاصفة، ورأى بنشمسي أنه لم «يصور» شيئا من «المساء» وأن «أعواد الثقاب» التي أكتبها كل يوم لم يستطع إخماد شرارتها، اهتدى إلى فكرة تخصيص عدد من مجلته بالفرنسية لشخصي المتواضع، مبررا ذلك في تقديمه بأنني أصبحت ظاهرة يجب تحليلها والإحاطة بالجوانب الأكثر عتمة فيها. ومن خلال العدد الذي خصص لي غلافه قبل ستة أشهر، انتهى بنشمسي إلى أنني صحافي موهوب معاد للسامية ولحقوق المرأة وللشواذ الجنسيين، وفوق هذا وذاك عنصري، وهذه هي التهم الثلاث التي يحتاجها أي صحافي غربي لكي يضعك إلى جانب بلادن ودول محور الشر.

في الحقيقة، أعترف بأن «المساء» وما أكتبه يوميا من «أعواد ثقاب»، تشكل خطرا بالغا كما قال بنشمسي، لكن ليس على عقيدة المغاربة واستقرار نظامه السياسي وإنما على بنشمسي وأجندته السياسية والإعلامية التغريبية والتخريبية التي يشتغل عليها بموهبة وقدرة كبيرة على الخيال والابتكار. يجب أن نعترف له بهذه المزية على الأقل. وإذا رجعنا إلى الخلف وتفحصنا جل الأغلفة التي خصص لمجلتيه «تيل كيل» وأختها الممسوخة «نيشان» (كان اسمها قبل أن تمسخ «الجريدة الأخرى»)، سيلاحظ أن بنشمسي لا يذخر جهدا في ضرب كل مقومات المغرب الدينية والسياسية والاجتماعية، وأن الفتنة الحقيقية التي

يتهم «المساء» بزرع بذورها ليس هناك اليوم في المغرب من يزرعها غيره. ولعل المتأمل في الشعار الحقيقي الذي يشتغل بنشمسي على تفتيته بصبر وعزيمة قوية، سيجد أنه ليس شيئا آخر غير شعار المملكة «الله الوطن الملك». فالإسلام، في نظره، ليس هو الحل وإنما العلمانية، مع أنه لم يكتب كلمة واحدة عن إسرائيل، الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط حسبه، التي تتحول بسرعة إلى دولة دينية يهودية خالصة. وإذا كان الإسلام ليس هو الحل، فإن القرآن، حسب بنشمسي، يجب أن تتم مراجعته، أما عيد الأضحى فليس سوى مناسبة لتلطيخ الشوارع بالقاذورات، والحج ليس سوى «سوبيرمارشي» سنوي كبير، أما الصيام

فليس فريضة والدولة يجب أن تفتح المقاهي والمطاعم لأشباه بنشمسي الذين لا يصومون رمضان في إطار الحرية الدينية، عوض أن يبقوا مختبئين في مقر مجلتهم يحاولون خنق صوت «الكوكوت» التي تصفر يوميا ساعة الغداء. أما مؤسسة الزواج فقد انتهى زمنها والمكان اليوم للتعايش بين الشبان والشابات بدون عقود زواج، والبكارة ليست سوى عقدة، أما العفة فمرض نفسي يجب التخلص منه.

أما بالنسبة إلى الوطن، فإن بنشمسي «ما مقصرش من جيهتو»، فهو منذ صدوره لم يترك مرضا اجتماعيا أو آفة من الآفات إلا ودافع عنها في مجلتيه بأسنانه وأظافره. وإلى حدود اليوم، استمات في الدفاع عن الشذوذ والانحرافات الجنسية، تحت يافطة الدفاع عن الحريات الفردية. هو الذي سبق له أن طالب في إحدى افتتاحياته بتعذيب معتقلي السلفية الجهادية وتأسيس هيئة للإنصاف والمصالحة لتعويضهم فيما بعد، وكأن الدفاع عن

استعمال «القرعة» في التعذيب يندرج ضمن الدفاع عن الحقوق الفردية للمواطنين وتوسيع «الهوامش». فخصص أغلفة لزعيم الشواذ المغاربة عبد الله الطايع، وقدمه كنموذج لما يجب أن يكون عليه الشاب المغربي الناجح، مع أن كتابات الطايع تندرج في خانة «قلة الأدب» وليس الأدب. ومن شدة ولع بنشمسي بقلة الأدب، فقد كان الوحيد الذي تبنى تقديم والدفاع عن «شوهة» اسمها «كازانيغرا» في سينما «ميغاراما»، معتبرا الفيلم تحفة فنية، فيما هو مجرد متوالية من الشتائم البذيئة التي تسب الدين وتلعن الملة منذ بداية الشريط إلى نهايته.

وبالإضافة إلى دفاعه عن الشذوذ الجنسي، الذي يسر لمقربيه بأنه ضده بالنسبة إلى أبنائه، نجد بنشمسي في العدد ما قبل الأخير لمجلتيه يحمل أيضا لواء الدفاع عن العاهرات المغربيات «المهنيات» اللواتي ظهرن في القنوات اللبنانية يتحدثن بالمباشر وبوجه مكشوف عن فجورهن وعدد المرات التي يمارسن فيها الجنس يوميا. فهؤلاء، في نظره، ضحايا ومريضات يجب رثاء حالهن وتفهم ظروفهن وربما منحهن أوسمة ونياشين جزاء لهن على بطولتهن. بينما الجميع يعرف أن أقل واحدة منهن تربح في الشهر بتلك «الظروف المزرية» التي يبكي من أجلها بنشمسي أكثر مما يربحه بنشمسي نفسه من وراء «فهامته» و«عياقته» الفارغة كل أسبوع.

وبنشمسي ليس همه الدفاع عن العاهرات وإنما تبرير الدعارة والفجور. ألم يجعل من «نجمة» البورنو المغربية «ياسمينة» نموذجا مثاليا للمرأة المغربية الناجحة في مهنتها، وخصص لها أكثر من غلاف في مجلتيه. ولكي يكمل بنشمسي «الباهية»، كما يقول المغاربة، فهو لا يستطيع أن يدافع عن الشذوذ والدعارة والانحلال الأخلاقي دون أن يدافع عن استهلاك الحشيش. وقد ذهب في أحد أعداد مجلتيه إلى الحديث عن منافع الحشيش بالنسبة إلى الصحة، وطالب الدولة بالتحلي بالجرأة والشجاعة من أجل إصدار قانون يبيح تعاطي الحشيش، حتى يصبح من حق بنشمسي تدخين «الجوانات بالعلالي» في الشارع عوض الاختباء في مكتبه كلما أراد أن يفعل ذلك.

أما الخمور فعوض أن يخصص لها ملفات للحديث عن «اللوبيات» التي تتحكم في إنتاجها وتتسبب في العديد من الأمراض القاتلة وحوادث السير المدمرة، فإنه لا يتعب من تخصيص ملفات ملونة، مزينة بصفحات إشهارية للويسكي والروج، للتغزل في وطنية عاصري الخمور ومساهمتهم الفعالة في الدفع بالاقتصاد الوطني والمساهمة في تسمين عائدات الضرائب، متناسيا، عن قصد، الضريبة الأخلاقية والصحية الباهظة التي يؤديها المجتمع كل يوم بسبب استفحال نسبة تعاطي الخمور في المغرب، بين الشباب واليافعين خصوصا، وهي بالمناسبة النسبة الغالبة من قراء مجلتيه.

من يزرع، إذن، الفتنة في المجتمع ويرمي فوق برميل البارود أعواد ثقابه، «المساء» ورشيد نيني الذين يتهمهم بالدفاع عن الأخلاق أم بنشمسي ومنشوراته التي تدافع عن الخبائث والفسق والفجور والعصيان؟ غدا نتابع الجواب عن هذا السؤال.

يخاف ما يحشم

Classé dans : Non classé — rachidnini @ 14:15

لكي يضع بنشمسي «المساء» ومديرها في خانة المعادين للسامية ولحقوق المرأة وفي المراتب العليا للشعبويين الخطرين الذين يستعملون موهبتهم في الكتابة لزرع بذور الفتنة، لا يتردد في اللجوء إلى الإرهاب الفكري. وهو نوع من الإرهاب يجيده بنشمسي ويستعمله ضد كل من يقف في وجه مخططه التخريبي الموجه ضد ثوابت الأمة ومقدساتها. فهو وحده يملك الحقيقة، وهو وحده يملك حق النطق باسمها. وإذا كان هناك من حق للتعبير في المغرب فهو حقه وحده في التعبير عن مواقفه وهواجسه، أما كل من يخالفه الرأي ويملك تصورا مغايرا للمغرب وحاضره ومستقبله، فهو رجعي شعبوي معاد لحرية التعبير ولحقوق الأقليات. إلى درجة أن الجميع تقريبا أصبح يتلقى الاتهامات والضربات من مجلتي

بنشمسي ويفضل الصمت على الرد، حتى لا يتهم بمعاداته للتوجه المتفسخ والقوي ماليا وإشهاريا الذي يحمل لواءه رضا بنشمسي. بالأمس قلنا إن بنشمسي يشتغل ضمن مخطط إعلامي مدروس لتفتيت شعار المملكة الذي يقوم على الدين والشعب والملكية. ولكي يدير هذه الحرب على نحو ذكي ومدروس فإنه اختار واجهتين مهمتين لتماسك هذا الخليط المتعدد والغني من الأجناس والأعراق واللهجات في المغرب، وهما الإسلام والعروبة.

بالنسبة إلى بنشمسي فموقفه من العربية كلغة واضح جدا. فزمنها انتهى ويجب أن تدخل إلى متحف التاريخ. مع أن هذه اللغة هي اللغة الرابعة عالميا، ودارسوها والمقبلون على تعلمها يتزايدون يوما عن يوم في كل أرجاء العالم، عكس اللغة الفرنسية التي ينحسر إشعاعها يوميا عبر العالم.

والاقتراح الذي يقدمه كبديل للغة العربية هو الدارجة. والغريب في هذا الأمر هو أن «وليدات شلاضا» الذين ولدوا بملاعق من ذهب في أفواههم ورضعوا الفرنسية مع حليب أمهاتهم هم من يرفع اليوم لواء الدفاع عن تعويض اللغة العربية بالدارجة المغربية، مع أنهم درسوا في مدارس البعثة حيث لا أثر للدارجة ولم يلعبوا في الحارات والأزقة مع أولاد الشعب لكي يكتشفوا كنوز الدارجة وأسرارها، ولذلك يعتقدون أنه من السهل استعمال الدارجة في الكتابة، والحال أن التحكم في استعمال هذه اللغة الشعبية واحد من أصعب الفنون وأكثرها تعقيدا، وبدون تجربة وموهبة واحتكاك يومي بالشعب يصبح استعمال الدارجة مجرد سخافة.

لكن هذه السخافة تصبح خطيرة عندما تتحول إلى أداة لتدمير اللغة العربية في مجلة «نيشان»، في مقابل الاعتناء باللغة الفرنسية في مجلة «تيل كيل» والحرص على توظيف مصححين فرنسيين لضبط لغة المقالات المكتوبة بالفرنسية واحترام قواعدها.

هناك فرق كبير بين استعمال مفردات من الدارجة لتقريب الفهم أو الاستعانة بأمثال شعبية تلخص فكرة بذكاء شعبي ساخر، وبين استعمالها كمعول لهدم مؤسسة ضامنة للوحدة الشعبية كاللغة العربية لصالح لغة أخرى تحمل قيم مغايرة وهوية بعيدة كل البعد عن قيم وهوية المجتمع المغربي

. وعندما نقول إن العمل الرئيسي الذي يشغل بال بنشمسي هو تفتيت مبدأ العروبة والإسلام الذي يقوم عليه المجتمع المغربي، فإننا لا نبالغ. فإلقاء نظرة سريعة على افتتاحياته وملفاته الأسبوعية يعطي فكرة واضحة عن العمل الخطير الذي يقوم به من أجل زعزعة الأسس التي يقف عليها هذا المجتمع، الذي لا يرى فيه بنشمسي سوى تجمع عشوائي للمنافقين والمرضى بالانفصام والعدوانيين المليئين بالعقد الدينية والمسكونين بالماضي العتيق.

هؤلاء المغاربة الذين يحتقرهم بنشمسي ويصفهم بالمعقدين والمرضى النفسيين والمنفصمين شخصيا، ويمس بمشاعرهم الدينية ويهاجم قيمهم التي يريدون تربية أبنائهم عليها، هم الأغلبية في هذه البلاد، وهم متذمرون ومستاؤون من كل هذه «البسالة» التي يعرضها عليهم بنشمسي كل أسبوع. ولهذا تجد كثيرا من باعة الصحف يلجؤون إلى إخفاء مجلتيه عن الأنظار كلما اختار نشر صور فاضحة على أغلفتهما. وبنشمسي لا يمثل سوى أقلية مستلبة ترى في تفسخات المجتمع الغربي النموذج الأنسب لما يجب أن يكون عليه المجتمع المغربي. مع أن المجتمع الغربي نفسه بدأ يقوم بمراجعة نفسه والعودة إلى قيم العائلة والدين والأخلاق، لمواجهة الانحلال والتفسخ الذي ينخر أجياله الصاعدة. وهكذا، ففي الوقت الذي تحارب فيه الدول الأوربية ظاهرة تعاطي

الحشيش، نجد أن بنشمسي لا يكتفي بتعاطيه وإنما يدافع عن مزاياه ويشجع تعاطيه بين الشباب. وعندما نرى كيف يحارب الإعلام الغربي لوبيات صناعة المشروبات الروحية، نرى كيف يخصص لهم بنشمسي الأغلفة الملونة ويطنب في الحديث عن إنجازاتهم الحضارية العظمى. وعندما نرى كيف تحارب الدول الأوربية الدعارة ويفضح الإعلام شبكاتها، نرى كيف يتباكى بنشمسي على محنة العاهرات اللواتي اخترن المشاركة في برامج التلفزيون اللبناني للحديث بافتخار عبر الهواء مباشرة عن لياليهن الحمراء في أحضان الخليجيين.

باختصار، فكل البلايا والكوارث والموبقات التي يمكن أن تحطم الدعائم الأساسية للمجتمع وتزعزع ثقة أبنائه في عقيدتهم وهويتهم ولغتهم يشجعها بنشمسي ويترجمها إلى الدارجة لكي تصبح في متناول أكبر عدد من المغاربة.

أعرف أن أول تهمة سيوجهها إلي بنشمسي عندما سيقرأ هذا الكلام هي أنني أستعدي عليه القضاء والناس، وهي تهمة تافهة ومستهلكة ومردودة عليه. فالمغاربة يقولون، ما دام بنشمسي يحب الدارجة كثيرا، «اللي يشطح ما يخبي ليحيتو». ومن يتجرأ على الجهر بإفطار رمضان والدفاع عن الحشيش ومراجعة القرآن، يجب أن تكون لديه الجرأة لتحمل مسؤولية ما يقوله، لا اتهام كل من يفضح وجهه ومخططه الحقيقي

باستعداء الدولة والناس عليه. فنحن هنا لا نخترع شيئا من عندنا، وإنما فقط نشرح الخطوط العريضة لمشروع بنشمسي الفكري والإعلامي. وعوض أن يتهمني باستعداء الناس عليه، يجب أن يشكرني لأنني عممت على الجمهور الواسع النقط العريضة لأفكاره «الجهنمية».

إذا كنت قلت إن أول شيء سيقوم به بنشمسي عندما سيقرأ هذا الكلام هو اتهامي باستعداء الناس عليه، فلأنني أعرف طبيعة الرجل الجبانة، فهو يريد دائما أن يعطي عن نفسه صورة الصحافي والمثقف الجريء والشجاع الذي يخاطب الملك مباشرة في افتتاحياته ويعطيه رأيه في خطبه وطريقة إلقائها، لكنه في الواقع يعرف كيف يغطي جبنه ببراعة. والدليل على ذلك أنه عندما كتب مخاطبا الملك «فين غادي بيا خويا»، وصدر أمر بمتابعته ومصادرة مجلتيه، عاد في العدد الموالي وكتب «الله يبارك فعمر سيدي»، وعندما نظم ندوة صحفية للحديث عن سحب مجلتيه من المطبعة لم يفتتح كلامه بالحديث عن حرية التعبير وإنما قال بوجه ممتقع اللون إنه ضاع في مائة مليون سنتيم.

فما يهم بنشمسي هو الدرهم، ومن أجل جمعه يمكن أن يبيع أي شي في مجلتيه من الجنس إلى الحشيش إلى الدعارة. والمخزن، حسب بنشمسي، «خايب» وشمولي ودكتاتوري ولا أعرف ماذا أيضا، لكن «فلوسو زوينين»، خصوصا فلوس الإشهار الذي يهطل عليه من مؤسسات هذا المخزن مثل المطر. «ياكل الغلة ويسب الملة».

ولهذا، عندما يقترح عليه صحافي غلافا معينا يقول له «واش غادي يبيع»، ولا يهم إن كان الموضوع الذي سيبيعه خادشا للحياء أو مخلا بالاحترام الواجب للملك أو ماسا بالشعور الديني للمغاربة. ومن شدة حب بنشمسي للمال، فإنه ربما الوحيد الذي صدرت في حقه غرامات مالية ثقيلة لم يدفع أية واحدة منها، ببساطة لأنه عندما يشعر بأن القضية وصلت إلى جيبه يشرع في التوسل والبحث عن الوساطات للمطالبة بالتنازل عن الغرامة. وفي كل مرة تنجح العملية، إلى الحد الذي أصبحت معه الصفة الملازمة لبنشمسي هي «يخاف ما يحشم».

وهذه «الصنطيحة» التي يمتاز بها بنشمسي والتي بدأ بتربيتها منذ اليوم الأول لصدور مجلته، اكتسبها من خلال تقديم نفسه كمخاطب فوق العادة للملك. غدا سأكتب حول الطريقة التي حول بها بنشمسي المؤسسة الملكية إلى أصل تجاري يجمع من خلاله الدرهم، وكيف يغلف ذلك بلعب دور المعارض المتمرد والمشاكس، في الوقت الذي ينسى فيه أن الجميع «عاقو بيه»، وأنه ربما الوحيد الذي لازال يتصور نفسه «تشي غيفارا» زمانه.

حكاية جثة اسمها «تيل كيل»

Classé dans : Non classé — rachidnini @ 14:13

منذ آخر اجتماع للمساهمين في رأسمال الشركة التي تصدر «تيل كيل» و«نيشان»، حيث تقرر رفع رأس المال لإنقاذ الشركة من الإفلاس، خرج بنشمسي بفكرة واضحة عن الطريقة الوحيدة للرفع من عدد الإعلانات في مجلتيه والزيادة في عدد صفحاتها. وهكذا اكتشف أن المؤسسة الملكية يمكن أن تكون بمثابة الكنز الذي يستخرج منه الدراهم كل أسبوع. فشرعوا ينقبون في أرشيفات محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس، لا تنويرا للرأي العام والقراء، وإنما لمعرفتهم المسبقة بأن أغلفة العائلة الملكية تبيع أكثر من غيرها.

والمثير للسخرية في الموضوع أن بعض الذين أوكلت إليهم مهمة التنقيب في حياة الحسن الثاني، خرج أغلبهم إلى الحياة مع نهاية الثمانينيات، أي أن الحسن الثاني عندما كان يحكم المغرب كانوا هم لا يزالون يلبسون «الخروق». ومع ذلك لم يجد بعضهم حرجا في الحديث عن الحسن الثاني وسهراته وكواليس حكمه كما لو كانوا قد عاشوا إلى جانبه في البلاط الملكي. وهكذا أصبحنا نقرأ لشباب في العشرينات من أعمارهم تحقيقات حول انقلاب الصخيرات وكواليس السهرات التي كان يقيمها الحسن الثاني في قصوره، بل دخلوا عليه حتى غرفة نومه وحكوا عن حريمه وما كان يدور بينه وبينهن من كلام هامس.

أن يكتب باحث متخصص أو مؤرخ عايش فترة حكم الحسن الثاني عن هذا الموضوع شيء مفهوم ومطلوب، لكن أن يتطاول مبتدئون لم يحلقوا بعد ذقونهم الحلاقة الأولى، متحدثين عن «الشفنج» الذي كان الحسن الثاني يحب الإفطار به، أو عن نوع الند الذي كان يعشق إشعاله في قصوره، فهذا احتقار للقارئ واستسهال لجنس صحافي صعب ومعقد أصبح مع بنشمسي هواية للصحافيين المتدربين الباحثين عن الشهرة.

هم يبحثون عن الشهرة المجانية وبنشمسي يبحث عن الدرهم. ولذلك جعل من المؤسسة الملكية أصلا تجاريا يدر عليه شهريا أرباحا تقدر بمئات الملايين. المشكلة أن بنشمسي لا يبحث فقط عن الدرهم من وراء تحويله للمؤسسة الملكية إلى أصل تجاري، بل الأخطر من ذلك أن يبحث عن إضعاف هذه المؤسسة عبر تفتيت الركائز التي تقوم عليها، وأهمها العروبة والإسلام.

عندما نقول هذا الكلام فليس دفاعا عن الملكية، فالملكية في المغرب لديها ثلاثون مليون مغربي مستعدون للدفاع عنها، ولكن نقول هذا الكلام لكي نساهم في كشف القناع عن الوجه الحقيقي لبنشمسي، والذي يخفي وراءه وجها ناقما وحاقدا على المؤسسة الملكية التي يجمع كل المغاربة على كونها الضامن الرئيسي لوحدة المغرب واستقراره. فبنشمسي يريد، كما يقول الفرنسيون، «الزبدة وثمن الزبدة»، فهو يريد من وراء تخصيص كل تلك الأغلفة والملفات للمؤسسة الملكية جمع الثروة، وفوق هذا وذاك يريد أن يزعزع ثقة المغاربة في هذه المؤسسة عبر تقديمها كمجرد شركة قابضة يسيرها الملك شخصيا ويوظف فيها ثلاثين مليون مغربي كمستخدمين عنده.

وهذه طريقة بنشمسي في «التصفية الرمزية» الغادرة والجبانة للذين لا يتماشون مع نظرته الملتبسة والمشوشة إلى المغرب كما يريده هو لا كما هو كائن. وقد وقع لي الشيء ذاته معه عندما اتصل بي صحافيون من طرفه يحمسونني على المشاركة بحوار في العدد الذي خصص غلافه لي قبل ستة أشهر، قلت لهم إنني لا أقبل المرور في مجلة بورنوغرافية مشكوك في وطنيتها تحطم كل قيم المجتمع المغربي بلا هوادة وتشجع الانحلال، فقالوا لي إن بنشمسي سيصدر العدد حولك، سواء قبلت المشاركة فيه أو لم تقبل، يعني «بزز منك».

فابتسمت وقلت في نفسي إن بنشمسي يريد أن يضرب عصفورين بحجر، فهو من جهة يريد أن يبيع ويجمع الدرهم بصورتي على الغلاف، ومن جهة ثانية يريد أن يلطخ صورتي ويعيد إلصاق تهمه القديمة على ظهري أمام الرأي العام الفرنكوفوني والهيئات الدبلوماسية الأجنبية وحتى في فرنسا حيث يبيع مجلته لتحريضهم ضدي وتخويف المؤسسات المعلنة من التعامل مع «شعبوي»، «معادي للسامية» وضد «حقوق المرأة» و«الشواذ الجنسيين». وفعلا، حدث ما توقعته، فقد باع تقريبا كل نسخ العدد الذي أنزله إلى الأسواق وعليه صورتي، لكنه فشل في تلطيخ هذه الصورة كما خطط لذلك. والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه بنشمسي سواه، فرغم معاوله وحملاته الإعلامية المغرضة صمدت «المساء» وتقوت وأصبحت لها مكانة محترمة في الداخل والخارج، وأصبح المتتبعون الأجانب، من أجل

تكوين رأيهم حولي، يطالعون ما أكتبه لا ما يكتبه بنشمسي حول ما أكتبه. وعندما يتعلق الأمر بي أو بأي مواطن عادي آخر، فإن المسألة تبقى في حدود تلطيخ السمعة والقذف واختلاق الوقائع. وهذه كلها «حروب صغيرة» تعودت على حقارتها من كثرة ما تعرضت لسهامها. لكن أن تكون المؤسسة الملكية، التي هي الضامن الأساسي لوحدة المغرب واستقرار أبنائه، هي المستهدفة بالإضعاف من طرف بنشمسي، فإن المسألة تستدعي موقفا واضحا وصارما من هذا العمل الخطير وغير محسوب المخاطر. فلصالح من، يا ترى، يتم إضعاف المؤسسة الملكية وزعزعة ثقة المغاربة فيها وفي مستقبلها وقدرتها على ضمان الاستقرار في البلد.

هل هي صدفة أن يخصص بنشمسي خمسة من أعداده الأخيرة للمؤسسة الملكية بمناسبة مرور عشر سنوات على حكم محمد السادس، خلاصتها أننا نعيش في ظل دكتاتورية مطلقة وحكم شمولي. هل كان بنشمسي سيستطيع أن يكتب ربع هذا الكلام لو أنه كان يعيش فعلا في ظل حكم شمولي ودكتاتوري حقيقي كالنظام الليبي أو التونسي أو السوري أو السعودي أو غيرها من الأنظمة العربية من المحيط إلى الخليج. هل رأيتم نظاما دكتاتوريا وشموليا يسمح بصدور مجلة يبيح رئيس تحريرها لنفسه بتوجيه تعليماته عبرها بوقاحة إلى رئيس الدولة ويخاطبه في افتتاحياته كما لو كان جاره على رصيف المقهى.

في الأنظمة الشمولية والدكتاتورية الحقيقية عندما يفعل أحد ذلك يعلقونه من «شفار عينيه». أما في المغرب، الدكتاتوري الشمولي حسب بنشمسي، فإن هذا الأخير عندما يقول ذلك فإنه يتلقى دعوات لحضور نشرات الأخبار والندوات لكي يحاضر مثل أي اختصاصي مزور في قضايا الساعة. وفوق هذا وذاك، يغرق في مجلته وسط الإعلانات التي يرسل وكلاءه الإشهاريين لإخراجها من أفواه شركات هذا النظام «الدكتاتوري» و«الشمولي» المتخلف، كما يصفه بذلك.

ولأن لكل لعبة بداية ونهاية، فإن لعبة بنشمسي انكشفت وظهرت عورتها، فالرجل يريد تقديم نفسه على هيئة المعارض الأول والشرس للنظام الملكي في المغرب، ليس لأن عروقه تجري فيها دماء ثورية قانية الحمرة، فالرجل سليل أسرة استقلالية محافظة أرستقراطية عاشت دائما بين أحضان الملكية، بل لأنه يخدم أجندة داخلية وخارجية تضع ضمن أهدافها الأساسية إضعاف كل المؤسسات التي ترتكز عليها الدولة ونسف كل القيم الأخلاقية والدينية التي يقوم عليها المجتمع المغربي المحافظ. إن المشروع الذي يخدمه بنشمسي مشروع تخريبي يستهدف أهم وأخطر شيء في المجتمع المغربي والذي ليس شيئا آخر سوى هويته وعقيدته. ولذلك يجب أن يتصدى جميع من لديهم غيرة على مغربيتهم وعقيدتهم وقيمهم لهذا المشروع التغريبي والتخريبي الذي يستهدف أبناءهم الذين يريد لهم بنشمسي أن يكونوا مجرد «حمير وبيخير» ليركبهم المعمرون الجدد والمتواطئون معهم من بني جلدتهم.

وحتى يتأكد بنشمسي أننا نعرف جيدا أصل الفكرة التي استنسخ منها مجلته، فإننا نحيله على مجلة «تيل كيل» الفرنسية التي أسستها جماعة من الفوضويين والثوريين سنة 1960 بزعامة «فيليب سوليرز»، والتي حاولت إنجاز انقلاب فكري في المفاهيم والقيم الفرنسية، فانتهت إلى الفشل وماتت سنة 1982، وانتهى زعماؤها نهايات متناقضة مع ما كانوا يدعون إليه من ثورة وانقلاب. فانتهى «فيليب سوليرز» يكتب روايات تجارية ويتسابق لحضور برامج الإثارة التلفزيونية بعد أن كان معارضا شرسا للنظام، وانتهت الناقدة «جوليا كريستيفا» كاتبة لروايات سخيفة حول عالم البورجوازية الصغير الذي حاولت تفيككه في نظرياتها النقدية المنشورة في «تيل كيل». وإذا كانت «تيل كيل» قد فشلت وماتت في عقر دارها بفرنسا، فإن جثتها المتحللة والمشوهة، التي ينشر بنشمسي رائحتها العطنة في المغرب، ستعرف المصير ذاته طال الزمن أو قصر. فالمشاريع الإعلامية الحقيقية التي ستصمد في الزمن هي المشاريع التي خرجت من تربة الوطن واشتد

عودها بماء وهواء الوطن. تلك المشاريع الإعلامية التي تدافع عن هوية المغرب المتنوعة والمتعددة، وتصون مؤسساته ومصالحه العليا التي يتربص بها الطامعون من كل حدب وصوب. أما الباحثون عن الثروة والمستعدون لبيع أمهاتهم من أجل الفلس، فهؤلاء لا خير يرجى من ورائهم، فقلبهم ليس على الوطن وإنما على حساباتهم البنكية. ولذلك يجب فضحهم و«ضرب الطر» لهم حتى يعرف الجميع من أي طينة من البشر هم. وفي هذه المهمة يستطيع المغاربة أن يعولوا علينا ما دمنا على قيد الحياة. وذلك أضعف الإيمان.

راس الضبع

Classé dans : Non classé — rachidnini @ 14:09

قبل يومين، كتبت عن «راس البلا ديال بنشمسي»، واليوم أريد أن أحدثكم عن «راس الضبع ديال الداخلية». وهما رأسان منفصلان لا علاقة تجمع بينهما سوى كونهما مفيدين في استخلاص الدروس والعبر. ولأن قصص الحيوان مفيدة جدا في فهم طبائع الإنسان، دعوني أحكي لكم هذه الحكاية القصيرة قبل أن أشرح لكم حكاية «راس الضبع» وعلاقته بوزارة الداخلية.

يحكى أن ثلاثة حيوانات من حيوانات الغابة، هي الأسد والثعلب والضبع، كانت تربط في ما بينها صداقة متينة. وذات يوم خرجت في جولة صيد وتمكنت من اصطياد أرنب وغزالة وخنزير بري. فجلس الأسد والثعلب عن يمينه والضبع عن يساره، وطلب منهما اقتراح أنسب طريقة لتوزيع الطرائد. فنطق الضبع واقترح على الأسد الاحتفاظ بالغزالة لنفسه، وإعطاء الأرنب للثعلب والخنزير له. وقبل أن يكمل الضبع اقتراحه، انقض عليه الأسد وفصل رأسه عن جسده والتهمه. ثم عاد وجلس وطلب من الثعلب أن يقترح عليه القسمة التي يراها مناسبة، فقال الثعلب للأسد:

- أقترح عليك الأرنب للإفطار والخنزير للغداء والغزالة للعشاء…

فابتسم الأسد وقال للثعلب متسائلا بمكر:

- من أين لك بكل هذه الحكمة أيها الثعلب؟

فأجاب الثعلب وأطرافه ما زالت ترتعش:

- علمني إياها رأس الضبع…

وفي وزارة الداخلية، اليوم، هناك رؤوس سقطت وأخرى ستتساقط في الأيام القادمة. فيبدو أن مقولة الحجاج بن يوسف الثقفي المشهورة التي توعد فيها أهل العراق بإيناع الرؤوس وقرب قطافها، تنطبق اليوم على أم الوزارات.

وعندما تسقط الرؤوس على طريقة «راس الضبع» فإن الغاية من هذه العملية ليست رأس المسؤول الذي يتم قطفه، وإنما رؤوس المسؤولين الآخرين التي لازالت فوق أكتاف أصحابها، خصوصا عندما يصدر عن أحد هؤلاء المسؤولين ما يفيد بأنهم لم يستوعبوا جيدا القسمة الجديدة. أول الرؤوس التي سقطت قبل أسبوع من هرم وزارة الداخلية هو رأس منير الشرايبي، والي مراكش. وقد تدحرج إلى الرباط لكي يتم تعليقه على باب وزارة الداخلية مثلما كانت دار المخزن تعلق رؤوس المسؤولين المغضوب عليهم على «باب المحروق» في فاس، حتى يكون عبرة لغيره من الولاة والعمال الذين يحتاجون إلى قصص كليلة ودمنة لكي يفهموا طريقة العمل الجديدة.

وكم كان سخيفا ومضحكا أن يقول منير الشرايبي، تعليقا على إعفائه من ولاية مراكش، إنه كان محاطا بالفاشلين. الآن فقط اكتشف أنه كان محاطا بالفاشلين، وليس قبل صدور قرار إعفائه.

في الدول الديمقراطية التي تحترم نفسها عندما يتم إعفاء مسؤول كبير من منصبه، أول شيء يقوم به هو تقديم الشكر إلى مساعديه وطلب المسامحة من دافعي الضرائب الذين من جيوبهم يتسلم راتبه. أما عندنا، فإن أول شيء يقوله مسؤول كالوالي الشرايبي هو أنه كان محاطا بالفاشلين ثم «يبرق» عينيه في دافعي الضرائب.

وإذا طبقنا حكاية «راس الضبع» على قصة إعفاء الشرايبي، فإن المقصودين باستخلاص العبرة هم مجموعة من الولاة والعمال «زنزنت» لهم «الدبانة» في رؤوسهم خلال الانتخابات الأخيرة، وأبدوا تراخيا رسميا في مواجهة المال الفاسد وأعطوا انطباعا للرأي العام بأن وزارة الداخلية عاجزة عن إيقاف هذا الشلال الهادر من الأموال الوسخة.

وإلى جانب هؤلاء العمال والولاة، هناك أيضا خندق آل الفاسي الفهري الذين نزلت عليهم رسالة إعفاء صهر الوزير الأول وزوج ابنة أخته مثل الصاعقة، وذكرتهم باليوم الأسود الذي أقيل فيه محمد الفاسي الفهري، كبير العائلة، من منصبه ككاتب عام لوزارة العدل أيام الحسن الثاني. وإذا كان رأس الشرايبي قد سقط ببلاغ لوزير الداخلية، بدل بلاغ للديوان الملكي كما هو متعارف عليه في تعيين الولاة وإعفائهم، فإن عاملا برتبة مدير التعاون الدولي بوزارة الداخلية تم إسقاط رأسه بدون حاجة حتى إلى بلاغ.

وقد كان كافيا بالنسبة إلى رشيد الركيبي أن ينزل من الطائرة التي أتت به من أكادير في مطار الدار البيضاء ويكتشف أن ساقه غير موجودة، لكي يفهم أنهم «دارو ليه الصابونة»، فكمدها في قلبه ودخل إلى الرباط على متن سيارة أحد أصدقائه.

وقد تضاربت الأنباء حول أسباب هذا الطرد. وكنا قد نشرنا خبرا يرد أسباب الإقالة إلى اجتماع عقده رشيد الركيبي في بيته بحضور ممثلي هيئات دبلوماسية أجنبية لتقديم خلاصة حول نتائج الانتخابات. وقلنا إن هذا الاجتماع أثار حفيظة وزير الداخلية شكيب بنموسى ووزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري، إلى أن اكتشفنا أن الوزيرين كانا على علم بالاجتماع وأعطيا موافقتهما على انعقاده. فلماذا يا ترى يتم إسقاط رأس مهمة من قائمة الرؤوس الصحراوية التي تشكل إلى جانب عمر الحضرمي وإبراهيم حكيم أهم قنوات الداخلية في ملف الصحراء.

السبب نجده في مكان آخر من رمال الصحراء المتحركة، وبالضبط في خندق آل ولد الرشيد. وعندما تطيح وزارة الداخلية برأس رشيد الركيبي، فإنها في الواقع توجه رسالة «مشفرة» إلى صديقه الحميم خليهن ولد الرشيد، الذي وصفه «كريستوفر روس» بأنه رجل من العيار الثقيل، ورسالة أيضا إلى أخيه الذي فاز بكرسي بلدية العيون بفضل الاستقلاليين وأغرق «تراكتور» الهمة في رمال الصحراء المتحركة.

عندما يقول «كريستوفر روس»، المبعوث الأممي في الصحراء، إن خليهن ولد الرشيد، رئيس المجلس الاستشاري لشؤون الصحراء، رجل من العيار الثقيل، فإن «ودينات» وزارة الداخلية «تقلش» وتنتصب بحذر. فالرجل القوي في الصحراء لديه أذن لاقطة وعين حادة البصر داخل دواليب وزارة الداخلية اسمها رشيد الركيبي. وهكذا، فجميع التقارير التي تصل إلى وزارة الداخلية من الصحراء تنتهي خلاصاتها الأساسية بين يدي خليهن ولد الرشيد. ولهذا يظهر خليهن، خلال المفاوضات في «مانهاست» أو خلال لقائه بالمبعوث الأممي «كريستوفر روس»، كشخص عارف بالملفات ومحيط بتفاصيلها الدقيقة.

لا يجب أن ننسى بهذا الصدد أن وزارة الداخلية عندما تطرد إطارا مهما ومحاورا مدربا كرشيد الركيبي، فإنها تطرد الشخص الذي كان وراء جميع الاتصالات بالبوليساريو منذ عهد عبد اللطيف الفيلالي وإدريس البصري ومحمد بنعيسى والميداوي، وحتى في عهد الفاسي الفهري وزير الخارجية وبنموسى وزير الداخلية الحالي.

فالرجل لديه تجربة وخبرة طويلة في دهاليز المفاوضات بين المغرب والبوليساريو، اكتسبها على يد الوزير الأسبق ورئيس غرفة المستشارين الراحل الداي ولد سيدي بابا، الذي يعتبر الركيبي تلميذه النجيب. وهكذا، فوزارة الداخلية تعمل بمنطوق المثل الشعبي الذي يقول «ضرب المربوط يخاف المطلوق». فلكي توجه رسائلها «المشفرة» إلى الذين «سخنت عليهم رؤوسهم» والمطلوقين في أرجاء المملكة، فإنها تضرب «المربوطين» فيها وتستعين برؤوس المقربين منهم لكي تعلقها على أسوار أم الوزارات. ومن هنا يمكن أن نفهم إرسال الداخلية للجنة للتحقيق إلى العيون للتحقيق في الأراضي التي تتهم جهات سياسية حمدي ولد الرشيد بتفويتها لمقربين منه. ونفهم أيضا رد ولد الرشيد على هذه الصفعة بأحسن منها عندما قاطع أنشطة والي العيون محمد جلموس الذي زكاه الهمة في هذا المنصب بعد بلائه إلى جانبه البلاء الحسن عندما كان عاملا على إقليم بنغرير.

ولذلك، فعلى كل من يجلس فوق كرسي من كراسي الداخلية أو الخارجية أن يتحسس كتفيه جيدا هذه الأيام لكي يتأكد من وجود رأسه في مكانه، لأنه يبدو أن حكاية «راس الضبع» ليست سوى في بدايتها، وفصولها القادمة تنذر بوقائع ومغامرات مشوقة ليس بعيدا أن نرى معها رؤوسا أخرى أينعت وهي تتدحرج أمام أبواب أم الوزارات.

تْقاد ولا خوي البلاد

Classé dans : Non classé — rachidnini @ 14:07

«لقد تعبنا من انشغال هذه الأمة بالحذر من صدم بعض الأفراد أو صدم ثقافتهم. إن ثقافتنا تطورت في خضم الصراع، بذكاء وانتصارات ملايين الرجال والنساء الذين سعوا نحو الحرية. لغتنا الرسمية هي الفرنسية، وليس الإسبانية، اليابانية، اللبنانية، العربية، الصينية أو أية لغة أخرى. ولهذا إذا كنتم تريدون أن تصبحوا جزءا من مجتمعنا فعليكم أن تتعلموا لغتنا. أغلبية الفرنسيين يؤمنون بالله، والأمر لا يتعلق بإكراه مسيحي، أو بتأثير اليمين أو بضغوطات سياسية، ولكن هذا واقع، لأن رجالا ونساء أسسوا هذه الأمة على مبادئ مسيحية، وهذا الأمر يدرس بشكل رسمي في المدارس. ومن المناسب جدا تعليق هذه القاعدة فوق جدران مدارسنا. إذا كان الله يضايقكم فإنني أطلب منكم أن تضعوا في احتمالكم فكرة الذهاب إلى أي مكان آخر من العالم يشبه بلدكم الأصلي، لأن الله جزء لا يتجزأ من ثقافتنا.

إننا نقبل معتقداتكم دون طرح كثير من الأسئلة، وكل ما نطلبه منكم هو أن تحترموا معتقداتنا، وأن تعيشوا بتناغم وسلام معنا. نحن هنا في بلدنا، فوق أرضنا، وهذا هو أسلوب حياتنا. ونحن نمنحكم فرصة الاستفادة من كل هذا. ولكن إذا كنتم قد تعبتم من الشكوى بسببنا، وإذا كنتم قد تعبتم من مهاجمة رايتنا، والتزامنا، ومعتقداتنا المسيحية، أو أسلوب حياتنا، فإنني أدعوكم إلى الاستفادة من حرية فرنسية أكبر وهي «الحق في المغادرة».

إذا لم تكونوا سعداء هنا، اذهبوا إذن. فنحن لم نجبركم على المجيء إلى هنا. أنتم طلبتم أن تأتوا إلى هنا. إذن اقبلوا البلد الذي قبلتموه». هذا الخطاب وجهه فرانسوا فيون، الوزير الأول الفرنسي خلال أبريل الماضي، إلى المسلمين المقيمين بفرنسا، في إطار ما سماه «محاربة الإسلام المتطرف ومحاولة فرض تطبيق الشريعة الإسلامية على مسلمي فرنسا».

لنعكس الآية ونوجه الخطاب نفسه إلى المتطرفين العلمانيين المنتمين إلى ما أسميه بـ«الحداثية الجهادية»، من أمثال بنشمسي وأشباهه المنتمين إلى الجالية الغربية المقيمة في المغرب. أولئك الذين يريدون فرض شريعتهم الحداثية المتطرفة على المغاربة. وهكذا سنحصل على الخطاب التالي:

«لقد تعبنا من انشغال الأمة المغربية بالحذر من صدم بعض الأفراد أو صدم ثقافتهم. إن ثقافتنا تطورت في خضم الصراع، بذكاء وانتصارات ملايين الرجال والنساء ضد المستعمر، والذين سعوا إلى الحرية. لغتنا الرسمية هي العربية، وليس الفرنسية أو الإسبانية أو اليابانية أو الصينية أو أية لغة أخرى. ولهذا إن كنتم تريدون أن تبقوا جزءا من مجتمعنا فعليكم أن تتعلموا لغتنا.

الأغلبية الساحقة من المغاربة مسلمة، وهذا الأمر لا يتعلق بإكراه إسلامي، أو بتأثير الإسلاميين أو بضغوطات سياسية، ولكن هذا واقع. لأن رجالا ونساء أسسوا هذه الأمة على مبادئ إسلامية، وهذا الأمر يدرس بشكل رسمي في المدارس. ومن المناسب جدا تعليق هذه القاعدة فوق جدران مدارسنا.

إذا كان الله يضايقكم فإننا نطلب منكم أن تضعوا في احتمالكم فكرة الذهاب إلى أي مكان آخر من العالم يشبه بلدكم الأصلي، لأن الله جزء لا يتجزأ من ثقافتنا.

إننا نقبل معتقداتكم وأفكاركم (العلمانية) دون طرح كثير من الأسئلة. وكل ما نطلبه منكم هو أن تحترموا معتقداتنا، وأن تعيشوا بتناغم وسلام معنا. نحن هنا في بلدنا، فوق أرضنا، وهذا هو أسلوب حياتنا. ونحن نمنحكم فرصة الاستفادة من كل هذا. ولكن إذا كنتم قد تعبتم من الشكوى بسببنا، وإذا كنتم قد تعبتم من مهاجمة رايتنا والتزامنا ومعتقداتنا الإسلامية أو أسلوب حياتنا، فإننا ندعوكم إلى الاستفادة من حرية مغربية أكبر، وهي «الحق في المغادرة».

إذا لم تكونوا سعداء هنا، اذهبوا إذن. فنحن لم نجبركم على البقاء هنا. وإذا قبلتم البقاء هنا معنا فعليكم أن تقبلوا البلد الذي قبلتموه، أي بالعربية تاعرابت «تقاد ولا خوي البلاد». تصوروا معي كيف أن الوزير الأول الفرنسي «فرانسوا فيون»، الذي ينتمي إلى دولة ينص دستورها على أنها دولة علمانية، يدافع بكل هذا الوضوح وهذه الشراسة وهذا «الإيمان» عن قيم وعقيدة المجتمع الفرنسي ضد ما يسميه ساركوزي «الخطر الإسلامي» الذي يجسده ملايين المسلمين المتواجدين بفرنسا.

أما عندنا في المغرب، فلو تجرأ أي مسؤول وقال نصف ما قاله «فرانسوا فيون» دفاعا عن الدين الإسلامي والقيم الإسلامية واللغة العربية التي تمتهن يوميا، لأسمعه بنشمسي ورهطه «خل ودنيه»، ولوجد نفسه متهما بمغازلة الإسلاميين والظلاميين والمتطرفين.

إن هذه الجالية الفرنسية المقيمة بيننا والمكونة من بضع عشرات آلاف من المغاربة المستلبين ثقافيا وفكريا، والتي تريد أن تفرض أفكارها وأسلوب حياتها المتحلل من الدين والأخلاق على الأغلبية الساحقة من المغاربة، يجب أن تتأمل جيدا نصيحة «فرانسوا فيون» لمسلمي فرنسا. وإذا كان الوزير الأول الفرنسي العلماني يهب للدفاع عن عقيدة مواطنيه المسيحية ضد ما يعتبره مسا بها من طرف بعض المسلمين المتطرفين ويعلن بصرامة أن اللغة الرسمية لفرنسا هي الفرنسية وليس أية لغة أخرى، فماذا ينتظر عباس الفاسي الوزير الأول المسلم الاستقلالي الذي ينحدر من حزب محافظ أسس كل تاريخه على الدفاع عن العروبة والإسلام، لكي يقول لهؤلاء المغاربة الذين يشكلون الجالية الفرنسية المتطرفة المقيمة في المغرب، بضرورة احترام معتقدات وأسلوب عيش المغاربة ولغتهم الرسمية ودينهم الرسمي.

لقد أصبحنا نفاجأ ببعض التصريحات والتقارير ذات النفحة الدينية التي تأتينا من فرنسا العلمانية هذه الأيام، تجعلنا نشك في أنفسنا، نحن الذين ننتمي إلى دولة دينها الرسمي هو الإسلام.

وبعدما سمعنا الوزير الأول الفرنسي يدافع عن مسيحية المجتمع الفرنسي ولغته الرسمية وقيمه وطريقة عيشه ضد ثقافة إسلامية يراها دخيلة، ها نحن نقرأ أمس في الموقع الرسمي للمجلس الأعلى للصحة الفرنسي تقريرا يحذر الفرنسيين من شرب الخمور، نظرا إلى مسؤوليتها المباشرة عن الإصابة بـأمراض السرطان.

وحسب التقرير الذي صدر قبل يومين، فإن ما قاله المعهد الوطني للسرطان من كون معدل استهلاك الخمور يجب ألا يتعدى كأسين بالنسبة إلى المرأة وثلاثة كؤوس بالنسبة إلى الرجل، ليس صحيحا. والسليم صحيا هو تجنب شرب الكحول ما أمكن، استنادا إلى آخر البحوث العلمية في ميدان السرطان. وهكذا، فالنصيحة التي عممها المجلس الأعلى للصحة الفرنسي على عموم المواطنين الفرنسيين هي ضرورة الإقلاع عن تعاطي الخمور حفاظا على الصحة العامة.

وهذه النصيحة، التي صدرت قبل يومين، زكاها بالأمس الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عندما أعلن أمام وسائل الإعلام، بعد خروجه من المستشفى إثر الوعكة الصحية التي ألمت به، أنه لا يشرب ولا يدخن. هل سمعتم ياسمينة بادو، وزيرة الصحة المغربية الاستقلالية، تتحدث يوما عن الكوارث الصحية التي يتسبب فيها تعاطي الخمور في

المغرب، «بالعمى». فرنسا العلمانية التي يعتبر عصر الخمور وتصديرها من أهم القطاعات الصناعية التي تدر على خزينتها الملايير سنويا، يتجرأ مجلسها الأعلى للصحة على نصح ستين مليون فرنسي بتجنب شرب الخمور بالمرة لتجنب الإصابة بالسرطان. أما في المغرب -الدولة الإسلامية التي يمنع قانونها بيع الخمور للمسلمين، وحيث يرتفع استهلاك الخمور سنويا بين المغاربة بنسبة مخيفة تصل إلى ستة في المائة، وبمعدل استهلاك مرعب وصل السنة الماضية إلى 400 مليون قنينة جعة و38 مليون قنينة نبيذ و1.5 مليون قنينة من الويسكي- فإن وزيرة الصحة تبدو غير معنية بكل هذه الأرقام المخيفة لاستهلاك الخمور وعلاقتها المباشرة بالارتفاع المقلق لحالات الإصابة بالسرطان في السنوات الأخيرة بالمغرب.

وكم سنكون سعداء لو أن وزيرنا الأول ووزيرته في الصحة المسلمين قلدا الوزير الأول الفرنسي ووزيرته في الصحة العلمانيين في حماسهما الزائد للدفاع عن عقيدة الفرنسيين ولغتهم وصحتهم. عندها لن يكون بوسع المغاربة المنتمين إلى الجالية الفرنسية المتطرفة المقيمة في المغرب سوى أن يبتلعوا ألسنتهم الطويلة ويخرسوا إلى الأبد.

واش نتا معانا ولا معاهم

Classé dans : Non classé — rachidnini @ 13:47

هل تعرفون ما نوع الحرب التي يخوضها رئيس أقوى وأغنى دولة في العالم اليوم؟

إنها ببساطة الحرب التي نعتها وزير الشؤون الاقتصادية للحكومة عندنا، نزار بركة، بكونها مجرد «زوبعة في فنجان». وطبعا، يقصد سعادة الوزير بالزوبعة الفنجانية انتقادنا لإهداء صندوق الموازنة، بمباركة الحكومة، خمسين مليون درهم لشركة كوكاكولا وبيبسي كولا كمساعدة عن ثمن السكر. وفي الوقت الذي يهدي فيه عباس الفاسي هذه الشركات الأمريكية العملاقة كل هذه الملايير من أموال دافعي الضرائب، ماذا يصنع الرئيس الأمريكي أوباما. إنه يخوض حربا لا هوادة فيها من أجل فرض المزيد من الضرائب على شركات المشروبات الغازية وعلى رأسها كوكاكولا وبيبسي كولا التي تتسبب للأمريكيين في السمنة بسبب نسبة السكر المرتفعة فيها.

وعندما واجه معارضون من الحزب الجمهوري هذا القرار، قال لهم الرئيس الأمريكي إن رفضهم لن يحبطه وإنه سيواصل معركته من أجل فرض هذا القانون حتى ولو كلفه ذلك إقناع كل أمريكي على انفراد بأهميته. وتأملوا معي هذه المفارقة العجيبة، الرئيس الأمريكي، الذي ينتمي إلى نفس البلد الغني الذي تنتمي إليه شركتا كوكاكولا وبيبسي كولا، يصارع من أجل فرض المزيد من الضرائب عليهما بالنظر إلى الأضرار الصحية التي يتسببان فيها للأمريكيين، إثر نسبة السكر الزائدة. أما عباس الفاسي، الذي ينتمي إلى دولة فقيرة كالمغرب، فإنه لا يخجل من التبرع على هاتين الشركتين بالملايير من أموال دافعي الضرائب لكي يعينهما على اقتناء المزيد من السكر.

الرئيس الأمريكي يصارع من أجل فرض قانونه الضريبي الجديد حرصا على الصحة العامة للأمريكيين، أما عباس الفاسي فإنه صارع من أجل تمرير دعمه لشركتي كوكاكولا وبيبسي كولا حرصا على الصحة العامة لميزانيات الشركتين العملاقتين. وهنا، يمكن الفرق بين من يحترم دافعي الضرائب وبين من يكذب عليهم.

عباس الفاسي، اليوم، متهم بالكذب على المغاربة في قضية دعم شركات المشروبات الغازية من أموال الشعب. فصهره نزار بركة لم يجد ما يقوله دفاعا عن هذه الهدية السخية سوى كونها جاءت للمحافظة على أسعار «الموناضا» مستقرة، وبالتالي الحرص على عدم إنهاك القدرة الشرائية للمغاربة، وكأن المغاربة «إلى خطاتهم الموناضا غادي يموتو بالجوع». هذا اسمه الكذب على الشعب، ويجب أن تكون لدينا الجرأة لكي نطالب عباس ووزراءه الثلاثة الذين تبرعوا من أموالنا بكل هذه الملايير لصالح شركتي كوكاكولا وبيبسي كولا بالاعتذار والتراجع عن هذا القرار. فأنا شخصيا كدافع للضرائب لا أقبل أن أدعم شركتي كوكاكولا وبيبسي كولا من أموالي. أولا لأنهما ليستا بحاجة إلى دعم، وثانيا لأن الشركات الوطنية أولى بالدعم من الشركات الأمريكية.

إن الكذب الحكومي الذي تورط فيه عباس الفاسي لا حدود له. وقد ذهب بالأمس إلى حد إطلاق كذبة مدوية نشرها على صدر جريدة حزبه الناطقة باسمه، يقول فيها إن استراتيجية الحكومة لتحقيق التنمية بدأت تؤتي ثمارها، والدليل على ذلك أن معدل البطالة تراجع إلى حدود ثمانية في المائة لأول مرة ومنذ سنوات.

عندما قرأت هذه الكذبة «المبرقة» قلت في نفسي «الله ينعل اللي ما يحشم». فعباس يريد أن ينسب استقرار معدل البطالة في ثمانية في المائة إلى وجود استراتيجية حكومية لتحقيق التنمية، مع أن الجميع يعرف أن البطالة تراجعت فقط لأن الموسم الفلاحي كان هذه السنة استثنائيا. «باركة من الزفوط أسي عباس»، فالجميع يعرف أن 84.5 في المائة من 232 ألف منصب شغل جديد تم إحداثها خلال الثلاثة أشهر الأخيرة هي مناصب فلاحية. هذا في الوقت الذي كان فيه قطاع النسيج يفقد 24 ألف وظيفة، وقطاع النقل والاتصالات 25 ألف وظيفة، فيما فقدت فيه صناعات أخرى حوالي 9 آلاف وظيفة. فأين هي استراتيجيتك في التنمية يا سي عباس لكي توقف هذا النزيف الحاد في قطاعات البناء والنسيج والسياحة والخدمات.

إن ما ساهم في تراجع معدل البطالة، بالإضافة إلى الموسم الفلاحي الجيد والاستثنائي، هو أيضا طريقة اشتغال المندوب السامي للتخطيط «الاستثنائية» على الأرقام، فسعادة المندوب يرى كل قروي يسوق نعجة في المراعي على هيئة منصب شغل. وإحصائيات المندوب السامي للتخطيط لا تفرق بين مناصب الشغل القارة التي تساهم الفلاحة في خلقها وبين مناصب الشغل العابرة التي يخلقها موسم الحصاد والجني و«الصابة».

وهكذا، تصبح المرأة القروية الفقيرة، التي تحمل كيسا من البيض البلدي إلى السوق لتبيعه، موظفة لديها منصب عمل في نظر المندوب السامي للتخطيط، وكذلك الخماس الذي يشتغل شهرا في السنة بـ«جوج فرنك»، وأحيانا بـ«شبعة كرشو» في بعض مناطق المغرب المنسي، فإنه يدخل في خانة الطبقة النشيطة.

إن ما يقوم به عباس من احتيال على الظرفية ولي للأرقام من أجل التغطية على فشله وفشل حزبه الكبير في إيقاف نزيف مناصب الشغل في قطاعات حيوية وحساسة بالنسبة إلى مستقبل المغرب، ينطوي على خطورة بالغة.

وإذا كان معدل البطالة، كما يقول المندوب السامي للتخطيط، قد نزل إلى حدود ثمانية في المائة خلال الثلاثة أشهر الأخيرة، بفضل الموسم الفلاحي الاستثنائي، فكيف سيكون هذا المعدل عندما سينتهي الموسم الفلاحي وتعود آلات الحصاد إلى مستودعاتها في انتظار الموسم المقبل. إن الاعتماد بحوالي 84.5 في المائة على الفلاحة لخلق مناصب الشغل خلال السنة المقبلة يعني أن عباس الفاسي يريد «شراء الحوت فالبحر». والروس لديهم مثل عميق يبدو أن عباس لم يسمع به بعد، يقول: «لا تشتري فرو الدب قبل قتله»، أي العربية تاعرابت «راك مسبق الفرح بليلة أسي عباس».

لذلك على الوزير الأول، الذي لا يخجل من نسب نجاح الموسم الفلاحي إلى نفسه وإلى استراتيجيته الحكيمة، أن يضع في احتماله إمكانية انحسار الأمطار خلال السنة المقبلة. وهو أمر لا نتمناه طبعا، لكن وعلى رأي أم كلثوم: «وما نيل المطالب بالتمني»، ولذلك يجب أن تكون للحكومة جرأة توقع الأسوأ، حتى لا يفاجأ نزار بركة بمعدل بطالة مهول قد يحطم كل الأرقام القياسية.

فإذا قدر الله وجاءنا موسم فلاحي جاف، فإن المندوب السامي الذي «يهز» الخط للاقتصاد المغربي كل ثلاثة أشهر يستطيع أن يقول «باي باي» لمعدل ثمانية في المائة، لأنه سيكون مجبرا على وضع أرقام أخرى إلى جانب الثمانية في المائة قد يبدأ من واحد «ونتا طالع».

إن أخطر شيء يقوم به عباس الفاسي اليوم ليس فقط فشله الحكومي، وبالأخص فشل وزرائه الاستقلاليين، ولكن محاولته الكذب على المغاربة عبر تحويل هذا الفشل الذريع إلى نجاح باهر.

وفي الوقت الذي تعاني فيه كل القطاعات الحكومية، باستثناء الفلاحة، من أزمة حادة، يجد عباس الفاسي الجرأة الكافية لكي يكذب على المغاربة في وجوههم ويقول لهم إن استراتيجية الحكومة في التنمية بدأت تؤتي ثمارها. عن أية ثمار تتحدث يا سي عباس؟

إذا كنت تتحدث عن استراتيجية الضغط التي نفذتها شركتا كوكاكولا وبيبسي كولا عليك وعلى صهرك نزار بركة ووزير ماليتك وأعطت ثمارها، فأنت على حق. فهذه هي استراتيجية التنمية التي بدأت القيام بها منذ جلوسك على كرسي الوزارة الأولى، بدأتها بتقديم هدايا ضريبية إلى الشركات الكبرى، وضاعفت ضريبة «الليزينغ» على صغار الموظفين

. واليوم، تأخذ من ضرائبنا الملايير وتعطيها لكوكاكولا وبيبسي كولا الأمريكيتين. في الوقت الذي يسعى فيه باراك أوباما الأمريكي إلى فرض المزيد من الضرائب على مثيلات هاتين الشركتين في بلدها الأصل. «واش دابا نتا معانا ولا معاهم، بغيت غير نعرف».

ما هي مهمتنا بالضبط

Classé dans : Non classé — rachidnini @ 13:21

نزلت ضيفا، خلال الأسبوع الماضي، على برنامج «يوميات ولاد البلاد» الذي تقدمه الزميلة سناء الزعيم على أمواج راديو أصوات. ولأنني اخترت أن يكون الموضوع مفتوحا، فقد تحدث المتدخلون في كل شيء تقريبا. وما شد انتباهي هو مكالمة لأحد المستمعين قال فيها، بنبرة متهمة، إنني كنت وراء إسقاط اليسار من الحكومة، ويقصد الاتحاد الاشتراكي طبعا. وعندما أخذت الكلمة قلت إن الصحافة في الدول الديمقراطية لا تستطيع فقط إسقاط وزراء حزب معين من الحكومة، وإنما تذهب إلى حد إسقاط الحكومة برمتها. والرئيس الأمريكي نيكسون، على جلالة قدره، سقط بمقالة صحافية فضحت تنصت الحكومة على هواتف الحزب الديمقراطي. ففي الديمقراطيات العريقة، من الأفضل دائما أن تسقط أحزاب من الحكومة على أن تسقط البلاد في الفوضى.

وفي المغرب، نعمل كصحافيين على مراقبة عمل الأحزاب المشاركة في الحكومة، ليس حبا فيها وإنما حبا في المصلحة العليا للوطن. وإذا كانت هناك أحزاب تسقط من الحكومة فليس لأن الصحافة هي السبب في ذلك وإنما لأن حصيلة هذه الأحزاب الضعيفة هي سبب سقوطها. ووزراء الاتحاد الاشتراكي الذين نزلوا من الحكومة لكي يسلموا المشعل للاستقلالي عباس الفاسي ووزرائه، يعرفون أكثر من غيرهم أن حصيلتهم الكارثية هي التي جعلت الشعب يصوت ضدهم خلال الانتخابات. نحن فقط شرحنا هذه الحصيلة الكارثية للرأي العام ووضحنا حجم التناقض بين ما كانوا يقولونه عندما كانوا في المعارضة وما أصبحوا يفعلونه عندما صاروا في الحكومة.

وعندما سمعت أخبار التعديل الحكومي الجزئي الأخير وكيف خرج وزراء ودخل وزراء آخرون، قلت في نفسي إن ثلاثة وزراء استقلاليين كان عليهم أن يضعوا حقائبهم الوزارية ويغادروا إلى بيوتهم، وهم وزيرة الصحة ياسمينة بادو ووزير النقل والتجهيز كريم غلاب ووزير السكنى احجيرة. والسبب هو أن القاسم المشترك بين الوزراء الاستقلاليين الثلاثة هو الفشل في مهماتهم الحكومية.

فوزير الإسكان «زف» إلينا قبل أسبوع خبر فشل مشروع السكن الاجتماعي الذي بنى عليه سعادته سياسته الوزارية، وقال إن مشروع السكن الاجتماعي مهدد بالسكتة القلبية في سنة 2010. كما «زف» إلينا قبل ذلك فشل مشروع القضاء على مدن الصفيح والذي لم يتحقق سوى 43 في المائة من أهدافه، رغم أن احجيرة لم يتوقف عن «فرع» رؤوسنا بمخططه الجهنمي منذ 2001. وها نحن نرى كيف أن هذه المدن تتزايد وتنمو مثل الفطر عوض أن تتناقص، مما يعني أن الوزير احجيرة فشل في مهمته.

أما وزيرة الصحة فقد كان عليها أن تقدم استقالتها الأسبوع الماضي عندما أعلنت عن تخصيص الحكومة لمبلغ مالي قدره 400 مليون درهم من أجل تمويل برنامج التوعية والوقاية من أنفلونزا الخنازير، وفي الأسبوع نفسه نشرت جريدة حزبها مقالا على صدر صفحتها الأولى لأحد الباحثين الفرنسيين يقول فيه إن أنفلونزا الخنازير ليست سوى حيلة اخترعتها مختبرات التحاليل العالمية من أجل جمع المال، وإنه لا يجب الخوف من هذا المرض لأنه ليس قاتلا، بل مجرد زوبعة إعلامية بأهداف تجارية وسياسية. والأكثر من ذلك هو أن الجريدة الناطقة باسم حزب وزيرة الصحة تبنت بنشرها على صدر صفحتها الأولى نصائح كاتب المقال «بيرنار دوبري»، والذي يوصي، ضمن ما يوصي به المواطنين من أجل مقاومة المرض، بضرورة التعرض للعدوى بفيروس أنفلونزا الخنازير حتى تتكون لديهم المناعة الضرورية لمقاومة المرض.

وعوض أن توفر وزيرة الصحة ملايين اللقاحات الضرورية تحسبا لانتشار العدوى مع دخول فصلي الخريف والشتاء المقبلين، تقوم جريدتها بنشر مقال يحاول إقناع الرأي العام بأن العقارات المضادة لأنفلونزا الخنازير مثل عقار «التاميفلو» أو غيره من اللقاحات الأخرى هي إجراء غير نافع ولا جدوى منه، وأن أحسن طريقة لمكافحة الفيروس هي التعرض الطوعي له لتنمية القدرات الدفاعية للجسم البشري وتمكينه من خلق مناعة ذاتية لمواجهة الفيروس خلال الشتاء المقبل.

الرسالة إذن واضحة، وملخصها هو البيت الشعري القائل «وداوني بالتي كانت هي الداء». فالمغاربة حسب جريدة الوزير الأول ووزيرته في الصحة لا أمل لهم في مواجهة هذا الفيروس والانتصار عليه سوى أن يعرضوا أنفسهم للعدوى به منذ الآن.

ولذلك ربما نفهم لماذا لم توفر وزارة الصحة إلى اليوم ملايين الحقن المضادة لأنفلونزا الخنازير كما صنعت كل الدول التي تحرص على صحة مواطنيها. فالوزيرة تعول على «مزايا العدوى» لتقوية مناعة المغاربة، وهي فكرة «مصيبة» بالفعل.

واضح أن وزيرة الصحة تهتم بكل شيء إلا بالصحة العامة للمغاربة. فمشاغلها الانتخابية ومسؤوليتها الجماعية في مقاطعتها بالدار البيضاء لا تترك لها الوقت الكافي للانكباب على مهمتها الرئيسية التي هي الصحة. وقد ظهر هذا جليا عندما أصدرت الوكالة الأوربية للأدوية قبل شهر ونصف توصية إلى جميع المختبرات بعدم تسويق عقار «دي أنطالجيك» وجميع مشتقاته. وعوض أن تبادر وزيرة الصحة إلى إصدار تعليمات صارمة بالتوقف عن بيع هذا العقار للمغاربة فاجأت الجميع عندما أعلنت أن العقار لا يشكل أية خطورة على صحة المرضى إذا ما تم احترام جرعات تناوله، وذلك استنادا إلى أبحاث «الجهاز الوطني لليقظة الصيدلية».

تخيلوا أن العلماء الأوربيين الذين اخترعوا العقار وصنعوه يقولون إنه مضر بالصحة، بينما الذين يستوردونه عندنا في المغرب يصرون على عكس ذلك. ولكي تكفر وزيرة الصحة عن زلتها عادت، أسبوعا واحدا بعد هذا التصريح، إلى البرلمان يوم 8 يوليوز وقالت أمام النواب إن مصالح وزارتها ستقوم بسحب كل العقارات التي تدخل في تكوينها مادة «ديكسترو بروبوكسين» في ظرف سنة. مع أن مبدأ الحرص على الصحة العامة يفرض السحب الفوري للعقار في أقرب الآجال، وإعطاء تعليمات للأطباء بعدم وصفه للمرضى. أما انتظار سنة كاملة من أجل جمع العقار من الصيدليات فلا نشتم من ورائه سوى رائحة الحرص على مصالح المختبرات المحلية التي اشترته وسوقته في الصيدليات، مما يعني أن سعادة الوزيرة تريد من وراء قرارها أن تمنح هذه المختبرات ما يكفي من الوقت لتصريف سلعتها

واسترداد أموالها، أما صحة المواطنين فلتذهب إلى الجحيم. أما وزير النقل والتجهيز كريم غلاب، زميل بادو واحجيرة في الحكومة والحزب، فقد رأينا كيف تسبب سوء تدبيره لقطاع النقل في إضرابين مكلفين جدا بالنسبة إلى ميزانية المغرب، الأول هو إضراب سائقي الشاحنات والذي كلف خزينة الدولة تسعة ملايير سنتيم في تسعة أيام، والثاني هو إضراب ربابنة الطائرات والذي يكلف الخزينة مليار سنتيم يوميا. وأمام الإضرابين، أعطى غلاب الدليل على أنه محاور فاشل وغير قادر على الدفاع عن برامجه الحكومية.

وبالإضافة إلى فشله في تدبير أخطر إضرابين عرفهما المغرب خلال الفترة الأخيرة، نرى كيف أن أغلب القطاعات العمومية التابعة لوزارته تعرف اختلالات كبيرة تهدد أهم مورد من موارد خزينة الدولة، وهو السياحة، بالنضوب. وأغلب السياح الذين يمرون من بوابات المكتب الوطني للمطارات أو يستعملون قطارات المكتب الوطني للسكك الحديدية التابعين معا لوزارة النقل والتجهيز، يقررون عدم العودة إلى المغرب مرة أخرى. فمدراء هاتين المؤسستين، ربيع الخليع وعبد الحنين بنعلو، يعتقدان أن أحسن شيء يقومان به هو تجديد وتلميع محطات المسافرين، وتعليق

اللوحات التشكيلية الباهظة في محطات الوصول عوض تشغيل اللوائح الإلكترونية المعطلة منذ اليوم الأول لاقتنائها كما هو الحال في الجناح الجديد من مطار محمد الخامس، في حين أن ما يهم المسافرين هو جودة الخدمات. والخدمات في هاتين المؤسستين «مزفتة» تماما. وعندما يفتتح غلاب محطة قطار جديدة يعتقد أنه يخطو بالنقل عبر القطارات، وهي خطوة إلى الأمام، لكنه ينسى أن تلك المحطات الرخامية اللامعة تأتي إليها القطارات، وهي تشبه قاعات «الصونا» في حرارتها، متأخرة بالساعات، وأحيانا لا تأتي مطلقا وتلغي رحلاتها دون أن تعتذر إلى المسافرين الذين

يريدون الذهاب إلى المطار لأخذ طائرة قد لا تقلع هي الأخرى بسبب إضراب الربابنة. وعوض أن يزيد الخليع في جودة خدمات قطاراته فإنه يزيد في أسعار تذاكره. وقد «أهدى» لمستعملي القطارات خلال هذه العطلة الصيفية زيادة «محترمة» قبل يومين وصلت إلى أربعة دراهم «دقة وحدة». فأية سياحة ستبقى للمغرب مع قطاعات نقل متخلفة عديمة الجودة وباهظة الثمن مثل هذه القطاعات التي تسيرها وزارة النقل، حيث الإضراب أصبح قاعدة والعمل استثناء؟

إذا لم تكن مهمتنا كصحافيين هي مراقبة عمل أمثال هؤلاء الوزراء ووضع وعودهم وبرامجهم محل مساءلة يومية، والمطالبة بمحاسبتهم على طريقة صرفهم لأموال دافعي الضرائب، فإنني لا أعرف ما هو الدور الحقيقي للصحافي، إذ ليس المهم أن يسقط حزب معين من الحكومة بسبب فشل وزرائه، المهم أن تبقى البلاد واقفة وليسقط بعد ذلك وزراء الحزب كله. فالمهم، في آخر المطاف، هو مستقبل البلد وليس مستقبل الحزب.

الطاريفة الكحلة

Classé dans : Non classé — rachidnini @ 13:18

عندما تبرع وزير المالية ووزير الشؤون الاقتصادية للحكومة ووزير التجارة بهدية ثمينة من جيوب المغاربة ومنحوا شركات المشروبات الغازية دعما سخيا عن السكر، سمعنا نزار بركة، صهر الوزير الأول عباس الفاسي، يقول إن هذه الهدية جاءت لدعم القدرة الشرائية للمواطنين.

فالحكومة مهتمة كثيرا باستقرار أسعار «فانطا» و«كوكا» و«بيبسي»، ولذلك قررت تحمل خمسين في المائة من تسعيرة السكر الذي تقتنيه هذه الشركات وتستعمله في صناعة مشروباتها.

وقد اجتهد وزراء عباس الثلاثة من أجل إظهار هذا الدعم الموجه إلى شركات «الموناضا» العملاقة كدعم موجه إلى القدرة الشرائية، لكن الله فضحهم بعد أسبوعين فقط من توقيعهم على شيك الدعم. فها هو وزير النقل والتجهيز، الاستقلالي كريم غلاب، يعطي الدليل الواضح على أن القدرة الشرائية للمواطنين هي آخر ما يهم عباس الفاسي وحزب الاستقلال الذي يهذي هذه الأيام بحكاية دعم الطبقات الوسطى وقدراتها الشرائية.

فقد «غفل» غلاب الجميع ووافق على الزيادة الصاروخية التي اقترحها ربيع الخليع، مدير شركة السكك الحديدية، وطبقها أول أمس في جميع قطاراته. وهكذا، أصبحت الرحلات بين المدن أكثر غلاء من السابق، وأصبح الذين يؤدون ثمن التذكرة داخل القطار مجبرين على تحمل زيادة في التذاكر تقارب أربعين في المائة، أما أثمان التذاكر في الشبابيك فقد ارتفعت بعشرة دراهم إلى عشرين درهما حسب الاتجاهات.

هذه الزيادة المفاجئة في ثمن تذاكر القطارات غادرة وجبانة وغير قانونية. غادرة لأنها جاءت بدون سابق إشعار، واختار لها منفذوها فترة العطلة الصيفية التي هي فترة الذروة في الإقبال على استعمال القطارات في التنقل. وجبانة لأن الواقفين وراءها لم يكلفوا أنفسهم الظهور في ندوة صحافية لإعلانها وشرح أسباب نزولها. وغير قانونية لأنه ليست هناك خدمة جديدة استحدثتها إدارة السكك الحديدية على متن قطاراتها من أجل الزيادة في راحة المسافرين، بل بالعكس هناك ترد شامل للخدمات وعلى جميع الأصعدة. والمنطقي مع قطارات الخليع الكارثية هو تخفيض أسعار تذاكرها وليس الزيادة فيها، اللهم إذا كان يعتبر خدمة «الصونا» الجديدة التي استحدثها مع هذا الصيف في قطاراته خدمة مدفوعة الثمن، فهذا موضوع آخر.

وبما أن وزارة النقل والتجهيز اختارت توقيت العطلة الصيفية والعطلة البرلمانية والحكومية لكي تفاجئ مستعملي القطارات بزياداتها الصاروخية، فإن كريم غلاب المسؤول عن القطاع يجب أن يقطع عطلته ويأتي أمام وسائل الإعلام ويشرح للرأي العام ولدافعي الضرائب السبب الحقيقي لهذه الزيادة.

لقد رأيناه يفتتح محطتي المحمدية وسلا ويقطع الشريط بابتسامته المعهودة، ونريد أن نرى تلك الابتسامة في ندوة صحافية لتوضيح خلفيات هذه الزيادة التي تستهدف بوضوح القدرة الشرائية للمواطنين. وحتى لا يضللنا كريم غلاب أو ربيع الخليع بالحديث عن «الطاريفة الزرقا» الخاصة بالقطارات التي تستعمل في ساعات الذروة والتي نالت حظها الأوفر من الزيادة، و«الطاريفة البيضا» الخاصة بالقطارات التي تستعمل في الأوقات الميتة، عليهما أن يشرحا لنا لماذا اختارا فترة العطلة الصيفية بالذات لتطبيق الزيادة. «بقات خاصاهم غير الطاريفة الكحلة نساو مداروهاش».

وإذا لم يكن بمستطاعهما الإجابة عن هذا السؤال فسأتطوع للقيام بذلك مكانهما. أولا، هذه الزيادة لم تأت لتعويض خدمات إضافية لصالح مستعملي القطار، وبالتالي فهي غير مبررة. فقد كان الأجدر الزيادة في احترام مواعيد السفر والزيادة قليلا في مكيفات الهواء التي لا يشتغل معظمها، والزيادة في نظافة مقصورات القطار التي «تعطعط» رائحتها، عوض الزيادة في ثمن التذاكر.

لذلك فالسبب الحقيقي في اللجوء إلى هذه الزيادة في التذاكر هو تعويض المصاريف التي أنفقتها الشركة ووزارة التجهيز على بناء وإعادة بناء المحطات الجديدة للقطارات، يعني أن غلاب والخليع يعملان بالحكمة المغربية القائلة «من ليحيتو لقم ليه». ولذلك فليس من قبيل الصدفة أن تنزل الزيادة في اليوم الموالي لتدشين محطتي المحمدية وسلا من طرفهما، فالشركة تعاني منذ سنوات من مشاكل مادية عويصة وتسجل دائما عجزا مزمنا في الميزانية. وهذا طبيعي في كل الدول التي لازالت خدمات السكك الحديدية فيها تعيش في كنف المؤسسات العمومية للدولة.

فشركات السكك الحديدية لا تسجل أرباحا حتى في الدول الغنية، وتتحمل خسائر مالية سنوية من أجل تقديم خدمات عمومية إلى المواطنين حتى تشجعهم على استعمال القطارات، وذلك لأهداف لها علاقة بالتخفيف من ضغط شبكة المواصلات والتقليل من نسبة حوادث السير.

فالمعروف أن السفر على متن القطارات أكثر أمانا من السفر على متن جميع وسائل النقل الأخرى. وفي بلد كالمغرب يموت فيه كل يوم عشرة مواطنين على الطرقات بسبب الحوادث السير، كان على وزير النقل، الذي رفع شعار الحرص على حياة المسافرين خلال دفاعه عن «مدونة السير»، أن يبادر إلى خفض أسعار تذاكر السفر على متن القطارات عوض إشعال النار فيها، حتى يشجع المواطنين على استعمال القطار في أسفارهم عوض استعمال حافلات متهالكة تسير بدون «حصارات» وتقلبهم في أول «فيراج».

ولعل ما قام به غلاب وموظفه الخليع من زيادة صاروخية في أسعار التذاكر سيجعل المواطنين يحجمون عن السفر على متن القطار، ويختارون بالتالي الارتماء في أحضان قراصنة الحافلات الذين يغامرون بحياة المسافرين كل يوم. وهكذا، سيكتشف غلاب أن نسبة حوادث السير ارتفعت من جديد، وسيجدها مناسبة سانحة لإشهار مدونته من جديد، مع أن الحل الوحيد للتخفيض من قتلى حوادث السير واضح جدا، توفير سيارات الإسعاف بالعدد الكافي لإنقاذ ضحايا الحوادث، وتخفيف الضغط على الطرقات بتشجيع السفر على متن القطارات.

إن ما ينقص وزير التجهيز والمدير العام للسكك الحديدية من أجل البحث عن مداخيل إضافية هو الخيال. وهما عندما فشلا في تشغيل خيالهما واستحداث خدمات جديدة على متن القطارات لتبرير رفع الأسعار، لجآ إلى الزيادة العشوائية وضرب القدرة الشرائية للمواطنين واختبآ حتى تمر العاصفة.

ما يستفزني شخصيا في مثل هذه القرارات اللاشعبية لعباس الفاسي هو محاولته تغطيتها بتبريرات تتخذ الكذب كمنهجية، فهو عندما يقدم نفسه وحزبه كمدافع عن القدرة الشرائية للمغاربة على مستوى الخطب الرنانة، يقترف على مستوى الواقع ما يكذب ذلك جملة وتفصيلا. وقد كان أنسب لعباس الفاسي ووزيره غلاب أن يأتيا أمام الصحافة ويعترفا بأن أهم سبب يقف وراء الزيادة الحالية والزيادات القادمة في أسعار تذاكر القطارات هو تخلي المكتب الشريف للفوسفاط عن نقل 27 مليون طن من الفوسفاط سنويا عبر سكك الشركة. فقرار المكتب الشريف للفوسفاط استعمال تقنية «pipelines» في نقل الفوسفاط ستحرم المكتب الوطني للسكك الحديدية من حوالي 50 مليار سنتيم سنويا، أي حوالي نصف رقم معاملات شركة الخليع الذي وصل سنة 2007 إلى 3 مليارات من الدراهم.

ومن هنا نفهم الحرب الضروس التي تشنها بعض «اللوبيات» على مدير المكتب الشريف للفوسفاط بسبب هذا القرار، خصوصا وأن انخفاض رقم معاملات السكك الحديدية إلى النصف سينعكس على الاستقلالي غلاب ووزارة النقل وبالتالي على صورة عباس الفاسي، الوزير الأول في الحكومة والأمين العام لحزب الاستقلال. فبالنسبة إلى هؤلاء الاستقلاليين فمصلحة الحزب في الحكومة أهم من مصلحة البلاد مع شركة كالمكتب الشريف للفوسفاط أعطت خزينة الدولة في السنة الماضية ستة ملايير درهم.

وبعد المعارك الضارية التي خاضها كريم غلاب في باريس لاستعمال نفوذ «اللوبي» الفرنسي في إقناع المغرب بالتخلي عن اعتماد المكتب الشريف للفوسفاط لتقنية «البايب لاين» والإبقاء على تعامل المكتب مع السكك الحديدية، فإنه بعد هزيمته في هذه «المهمة» لم يجد من طريقة للتغطية على خسارة شركة السكك الحديدية سوى جيب المواطن البسيط الذي يستعمل قطاراته، فالمواطن بالنسبة إلى عباس ووزرائه الاستقلاليين هو الحائط القصير الذي يسهل القفز فوقه، فكان قرار الزيادة الحالية في انتظار زيادة أخرى خلال الدخول المدرسي يغلفها الخليع بتسمية «الطاريفة الجديدة».

وبعد كل هذا، يريدون إقناع المغاربة بأن كل ما يقومون به يدخل ضمن الحرص على حماية قدرتهم الشرائية. «كاينة شي شرية كثر من هاذي».

ريحتكم عطات

Classé dans : Non classé — rachidnini @ 13:17

كم كانت دهشة أحد الموظفين الصغار الذين يتنقلون بين الرباط والدار البيضاء عبر القطار كبيرة عندما ذهب لتجديد بطاقة اشتراكه الشهرية فاكتشف أنه مطالب، حسب التعرفة الجديدة للمكتب الوطني للقطارات، بإضافة مائة وخمسين درهما إلى المبلغ المعتاد.

عندما احتج وطالب الإدارة العامة بتوضيحات كان هناك من أخبره بأن الزيادة جاءت بعد دراسة عميقة مبنية على برنامج معمول به في فرنسا يقسم اليوم إلى فترتين، «فترة زرقاء» هي فترة الذروة التي يستعملها الموظفون والعمال والطلبة، و«فترة بيضاء» لا يستعملها سوى القلة من المسافرين. وشرحوا له كيف أن الإدارة، لكي تشجع المسافرين على التنقل خلال الفترة البيضاء، فإنها رفعت سعر السفر في «الفترة الزرقاء»، مما يعني أن الإدارة تطلب عمليا من الموظفين والعمال والمستخدمين أن يغيروا مواقيت عملهم لكي يستفيدوا من أسعار «الفترة البيضاء» المخفضة مقارنة بأسعار الفترة الزرقاء. كما لو أن قرار تغيير مواقيت العمل يوجد بأيدي هؤلاء

الموظفين الصغار وليس بأيدي رؤسائهم ومديريهم. ولكي يستفيد الموظفون الصغار والمستخدمون من «الطاريفة البيضاء» المخفضة، حسب التعرفة الجديدة، يجب عليهم أن يشتغلوا من الثانية عشرة إلى الرابعة زوالا ومن الثامنة مساء إلى ما بعد منتصف الليل. وبما أن الموظفين المغاربة جربوا، إلى حدود الآن، التوقيت الشتوي والتوقيت الصيفي والتوقيت الرمضاني، فأنا أقترح على ربيع الخليع أن يسمي هذا التوقيت الجديد بالتوقيت «اللي ما عند بوه لا ساس ولا راس». والمصيبة هي أنه عندما تزور الموقع الخاص بشركة السكك الحديدية الفرنسية التي نقل منها ربيع الخليع التعرفة البيضاء والتعرفة الزرقاء،

نكتشف أن ثمن البطاقة البرتقالية la carte orange التي تعطي صاحبها الحق في التنقل على متن القطارات من 1 ألف إلى 6، لا يتعدى ثمنها الشهري 123.60 أوروها. أما ثمن بطاقة الانخراط الشهري في القطارات الرابطة بين الرباط والدار البيضاء فثمنها وصل مع الزيادة الأخيرة إلى 1200 درهم، مما يعني أن «الطاريفتين» الفرنسية والمغربية لا تختلفان كثيرا عن بعضهما البعض، طبعا مع الفارق الكبير في جودة الخدمات بين قطارات شركة السكك الحديدية الفرنسية والمكتب الوطني للسكك الحديدية المغربي.

هل تعرفون الآن ما هي مأساتنا نحن المغاربة، إنها رغبة وزاراتنا ومؤسساتنا العمومية في تقليد فرنسا والدول المتقدمة فقط في أسعار خدماتها، وليس أبدا في جودة هذه الخدمات. عندما نقل غلاب وزير التجهيز نظام الغرامات المعمول به في الدول المتقدمة وحاول تطبيقه عبر مدونة السير على المغاربة، نسي أن تلك الغرامات الباهظة التي تفرض على مخالفي قانون السير في أوربا تحترم الدخل الفردي الخام لمواطني تلك البلدان، وإذا دفع مواطن فرنسي غرامة قدرها 4 آلاف درهم «جات معاه»، فمستوى الدخل الأدنى عندهم هو 12 ألف درهم في الشهر. ورغم أن الدخل الفردي الخام في فرنسا يضاعف الدخل الفردي الخام للمغربي بحوالي 12 مرة فإن هذا لم يمنع ربيع الخليع «مول الترانات» من استنساخ أسعار قطارات فرنسا وتطبيقها بحذافيرها على المغاربة بدون سابق إشعار.

إن الوضع المنطقي والطبيعي هو أن تكون أسعار تذاكر القطارات في المغرب أقل مما هي عليه في فرنسا بـ12 مرة على الأقل، بحكم أن فرنسا تنتج سنويا الثروة 25 مرة أكثر مما ينتجه المغرب، ويصل الدخل الخام الفردي فيها سنويا إلى 33600 دولار في مقابل 2700 دولار التي لا يتعداها الدخل الفردي الخام لكل مغربي. فكيف بالله عليكم يريد ربيع الخليع ووزيره في التجهيز الاستقلالي كريم غلاب القفز فوق كل هذه الأرقام والمعطيات من أجل وضع القدرة الشرائية للمغاربة في نفس مرتبة القدرة الشرائية للفرنسيين، مع أن ما بين الاثنين من تباعد هو نفسه ما بين السماء والأرض.

وحتى إذا كان الرجلان مصابان بضعف البصر ولا يستطيعان قراءة هذه الأرقام التي يمكنهما العثور عليها في تقارير المندوبية السامية للتخطيط، فإنهما على الأقل مدعوان إلى تقليد فرنسا في البنيات التحتية لشبكة طرقها ووسائل نقلها العمومية قبل تقليدها في أسعار هذه الخدمات. ونحن مع فرض غرامات على مخالفي قانون السير تصل إلى أربعة آلاف درهم مثلما هو الحال في فرنسا، لكننا أيضا مع تجهيز الطرقات وتعبيدها وتوسيعها وتجهيزها بعلامات المرور والوقاية كما هو الحال مع طرق فرنسا. في فرنسا عندما يتعرض سائق لحادثة سير، يسارع إلى مكان الحادث رجال الشرطة ورجال الوقاية المدنية وسيارات الإسعاف المجهزة بكل وسائل الإنقاذ. وإذا كانت المنطقة جبلية تحضر الطائرات المروحية لتسريع عملية الإنقاذ. أما عندنا فعندما يتعرض سائق لحادثة سير فعليه أن ينتظر وينزف «على خاطرو» حتى يصل رجال الدرك ورجال الإسعاف، هذا إذا لم يسبقهم إليه عزرائيل. وأول شيء يقوم به بعض منعدمي الضمير

والإنسانية من رجال الدرك والوقاية المدنية عندما يحضرون إلى مكان الحادث هو إفراغ جيوب الضحايا ومحافظهم من المال وانتزاع الأساور الذهبية والساعات والخواتم من معاصم وأصابع النساء، وإذا بقي شيء في ملكية الضحايا فإن بعض الممرضين في المستعجلات يتكفلون بإتمام المهمة. هكذا، عندما يستفيق كثير من ضحايا حوادث السير في المستشفى يجدون أنفسهم «ربنا خلقتنا»، ويكتشفون أنهم كانوا ضحية حادثتين وليس حادثة واحدة. وشخصيا، أعرف عائلات أصبحت تفضل السفر بجيوب فارغة سوى من مصاريف السفر، وبدون «دبالج» أو خواتم تجنبا للنهب في حالة وقوع حادثة. وطبعا، هذه الأشياء لا يعرفها كريم غلاب، لأنه لم يلتق ضحايا حوادث السير الذين تمت تعريتهم من معاطفهم وتجريدهم من أحذيتهم في مكان الحادث عوض المسارعة إلى إنقاذهم.

وفي فرنسا، هناك دفتر للشكايات موضوع رهن إشارة مستعملي القطارات و«الميترو» لتسجيل شكاواهم وانتقاداتهم للخدمات التي تقدم إليهم على متن هذه القطارات. وتصبح الإدارة مجبرة على أخذ هذه الشكايات بعين الاعتبار من أجل إصلاحها. وفي كثير من الأحيان، يتم تعويض المسافرين الذين يتسبب تأخير القطار في عرقلة مشاريعهم المهنية أو ضياع مصالحهم. ونحن أيضا في المغرب عندنا في محطات القطارات دفتر للشكايات، قليلون هم الذين يقصدونه لتدوين شكاياتهم لمعرفتهم المسبقة بأن هذا الدفتر لا يقرؤه أحد، وإذا قرأه أحدهم فإنه لا يعير الشكايات المكتوبه فيه أية قيمة، والدليل على ذلك أن نفس الانتقادات التي توجه إلى خدمات السكك الحديدية منذ عشرين سنة هي نفسها، ومع ذلك لا شيء تغير نحو الأحسن، بل إن الخدمات في السنوات الأخيرة سارت من سيئ إلى أسوأ.

وما لا يعرفه ربيع الخليع ووزيره في النقل هو أن كثيرا من المسافرين على متن قطاراتهما يجدون أنفسهم، رغم دفعهم لثمن التذكرة المرتفعة، مضطرين إلى السفر «بالواقوفي»، أي أن المكتب الوطني للسكك الحديدية لا يستطيع أن يوفر مقعدا لكل مسافر، وفوق ذلك يتجرأ على رفع سعر التذاكر. وهذه الوضعية لا يسلم منها حتى المسافرون على متن الدرجة الأولى حيث سعر بعض الرحلات يقترب من سعر الرحلات عبر الطائرات في الدول الأوربية.

«بالعربية تاعرابت راكم زدتو فيه»، وطبعا لا نقصد الزيادة في الأسعار فقط وإنما الزيادة في الضحك على ذقون المغاربة بالخطابات الحكومية التي تدعي الحرص على قدرتهم الشرائية في الوقت الذي لا تذخر فيه وزارة غلاب جهدا لطحن هذه القدرة الشرائية برا وبحرا وجوا. فهل هي مجرد مصادفة أن تتزامن الزيادة في ثمن تذاكر القطارات مع زيادة شركات النقل البحري بين طنجة والجزيرة الخضراء بحوالي 35 في المائة، حيث انتقل سعر التذكرة الواحدة من 110 أوروهات خلال مارس الماضي إلى 157 أوروها مع بداية موسم عودة الجالية المغربية إلى أرض الوطن. إلى درجة أن جمعيات حقوقية، على رأسها جمعية «حقوق كونية»، هددت بشن حملة لمقاطعة عملية «عبور» لهذه السنة بسبب هذه الأسعار المجنونة.

أما أسعار الرحلات الجوية عبر شركة الخطوط الجوية الملكية فتلك حكاية أخرى. وربما هذه هي الشركة الوحيدة في العالم التي تطبق أسعار مماثلة مقابل خدمات رديئة وتأخيرات تعد بالأيام وليس بالساعات. «الحاصول هاد الشي خصو شي تشطيبة بالما وسانيكروا»، لعل وعسى يفهم هؤلاء المسؤولون أن «ريحة شي وحدين فيهم عطات».

اللي ما عرفك خسرك

Classé dans : Non classé — rachidnini @ 13:16

أول سؤال تفضلت إحدى الزميلات الصحافيات «المفرنسات» بطرحه على رضا بنشمسي، خلال الندوة الصحافية التي عقدها في مقر مجلته حول مصادرة العددين الأخيرين من «تيل كيل» و»نيشان»، كان هو: «هل هناك علاقة لما كتبه رشيد نيني حولك بالمنع الذي تعرضت له مجلتاك مؤخرا؟». فكان جواب بنشمسي كالتالي: «رشيد من؟». فأجابته: «رشيد نيني…». فقال لها: «لا أعرف من يكون هذا الرجل. السؤال الموالي من فضلكم». لكن بنشمسي الذي ادعى أنه لا يعرفني، «واللي ما عرفك خسرك» كما يقول المغاربة، سيسترجع ذاكرته بمجرد ما نشرنا أمس في «المساء» تغطية أمينة لما قاله في ندوته الصحافية، خصوصا تلك الجملة الدارجة التي

قال فيها: «إذا كنا قلنا إن 91 في المائة من المغاربة يعتبرون حصيلة الملك إيجابية ومع ذلك اعتبروا أن في الأمر عدم احترام للملك، فماذا ينبغي أن نقول باش نحتارمو هاد خاينا». فاتصل أحد أعضاء هيئة تحرير بنشمسي وقال إن هذا الأخير لا يقصد الملك وإنما وزير الداخلية بنموسى، وإنهم سيرسلون إلينا ببيان حقيقة يؤكدون فيه ذلك، وإذا لم ننشره كما هو فإنهم سيتابعوننا أمام القضاء، يعني «بنشمسي يديرها ونيني يمشي فيها». وبما أن ذاكرة السي بنشمسي قصيرة إلى هذا الحد فيمكننا إنعاشها بالعودة إلى الوراء، وبالضبط إلى مثل هذا الوقت بالذات من السنة الماضية، حين كتب افتتاحية يخاطب فيها الملك وعنونها كالتالي «فين غادي بينا

خويا»، وكانت هذه الافتتاحية سببا في حجز جميع أعداد مجلتيه وإتلافها، تماما كما حدث الأسبوع الماضي. وحتى لا يضطر بنشمسي إلى الاعتذار من جديد ويكتب افتتاحية يكون عنوانها «الله يبارك فعمر سيدي»، كما صنع السنة الماضية، فإنه لجأ هذه المرة إلى إنكار نعته للملك في ندوته الصحافية بـ»هاد خاينا». ولأن بنشمسي حريص على عائدات الصفحات الإشهارية التي تشكل 50 في المائة تقريبا من مجلته (القانون لا يسمح بأكثر من 25 في المائة)، فإنه بمجرد ما يتم الحجز على مجلتيه يسارع إلى حذف المقال الذي يتسبب له في الحجز ويعيد طبع العدد بدونه حتى لا تضاف خسارة تدمير العدد إلى خسارة المعلنين الذين لن يدفعوا لشركة

بنشمسي الإشهارية الموازية التي أسسها لاستخلاص عائدات الإشهار دون المرور عبر الوكالات. وربما يتساءل أحدكم عن سبب إحجام بنشمسي عن مجرد التهديد بالقيام بإضراب عن الطعام احتجاجا على الحجز المتكرر لمجلتيه، كما صنع قبله بوبكر الجامعي عندما منع «المجاهد الأكبر» عبد الرحمان اليوسفي «لوجورنال»، أو علي المرابط الذي دام إضرابه عن الطعام 43 يوما وشارف على الموت، دفاعا عن حقه في التعبير بعد منع مجلتيه ورميه في السجن ومنعه من الكتابة لعشر سنوات. فبنشمسي ليس من طينة هذين الصحافيين، فهو دائما يكتفي بعد الحجز على مجلاته بندوة صحافية باردة يتعهد فيها بحذف المقال «المزعج» الذي تسبب له في «صداع الراس»، وإعادة طبع العدد منقحا ومشذبا بعناية، أي أنه عوض أن يتمسك بما يراه حقه في التعبير ويدافع عن هذا الحق إلى النهاية،

يفضل الحل السهل، حرصا على 100 مليون التي ترتعد فرائص بنشمسي خوفا من ضياعها. ورغم كل شيء، فهذا الحادث المؤسف الذي تعرض له بنشمسي بسبب ما رأت فيه الداخلية خرقا للقانون، ساهم في الكشف عن مجموعة من التناقضات على مستوى الحكومتين المغربية والفرنسية، وساهم في إخراج «وليدات فرانسا» المقيمين بيننا في المغرب من مخابئهم. وإليكم التفاصيل: أول تناقض استرعى انتباهي هو ذلك التناقض المفضوح الذي وقع فيه الناصري، وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة. فالرجل عبر، في بلاغه الحكومي، عن وجهة نظر الداخلية، وكان شديد الصرامة واللهجة وهو ينتقد لجوء بنشمسي إلى القيام باستطلاع رأي حول الملك. لكن المثير للاستغراب هو موقف مولاي إسماعيل العلوي الذي رأى في الحجز عملا غير مقبول. وإذا كان مولاي إسماعيل العلوي قد نسي من يكون خالد الناصري، فإننا نتطوع لكي نذكره بأن الرجل ليس سوى زميله في الديوان السياسي للتقدم والاشتراكية، الحزب الذي

باسمه يوجد الناصري في الحكومة. وهذا المعطى ينتج عنه أمران منطقيان، إما أن يقيل مولاي إسماعيل العلوي رفيقه الناصري من الحزب، أو أن يبادر الناصري إلى الاستقالة من الحزب، ما دام وزير الاتصال وعضو الديوان السياسي للتقدم والاشتراكية قد شارك في اتخاذ قرار سياسي يسير في الاتجاه المعاكس لموقف أمينه العام في الحزب الذي يشارك باسمه في الحكومة. التناقض الثاني والخطير، الذي وقعت فيه الحكومة المغربية بسبب قضية بنشمسي، هو أن وزير الخارجية استدعى السفير الفرنسي بسبب مجرد رسالة بعث بها نائب برلماني من العدالة والتنمية للمطالبة بتدخله من أجل إسعاف مستشار مغربي يحمل الجنسية الفرنسية، في الوقت الذي لم تتحرك شعرة واحدة في رأس الطيب الفاسي الفهري عندما أصدرت وزارة الخارجية الفرنسية بيانا رسميا تنتقد فيه قرار وزارة الداخلية المغربية القاضي بحجز مجلتي بنشمسي. والأخطر، في نظري، ليس هو لجوء برلماني مغربي إلى السفارة الفرنسية طالبا تدخلها لإنقاذ حياة زميله، وإنما لجوء الخارجية الفرنسية إلى التدخل

بالنقد في قرار سيادي، قد نتفق أو نختلف بشأنه، اتخذته الحكومة المغربية. عندما أرسل أفتاتي الرسالة إلى السفير الفرنسي اتهمه الجميع بإقحام الأجنبي في الشؤون الداخلية للمغرب، أما عندما أقحم الأجنبي نفسه في شأن حكومي داخلي، ببلاغ رسمي، فإن سعادة وزير الخارجية لم ير في ذلك أي تدخل للأجنبي في السيادة المغربية. والمفروض، حسب الأعراف الدبلوماسية، أن تمتنع الخارجية الفرنسية عن إقحام نفسها في شأن داخلي يخص المغرب، تماما مثلما امتنعت عن انتقاد الحكم على «المساء» بأكبر غرامة في تاريخ الصحافة المغربية

والعربية. والمعروف في مثل هذه القضايا التي لها علاقة بحرية التعبير والنشر أن تنتقد «منظمة مراسلون بلا حدود» والجمعيات الحقوقية القرارَ المغربي، أما وزارة الخارجية الفرنسية فهذه ليست مهمتها. وحتى الخارجية الأمريكية عندما تنجز تقارير سنوية حول حرية التعبير في المغرب فإنها تنجزها اعتمادا على تقارير الجمعيات الحقوقية وليس اعتمادا على قراءتها الخاصة. إن أول شيء كان على الطيب الفاسي الفهري أن يسارع إلى القيام به، بعد صدور بلاغ الخارجية الفرنسية، هو استدعاء السفير الفرنسي بالرباط لاستفساره حول أسباب هذا التدخل الفرنسي غير الدبلوماسي في الشؤون الداخلية للمغرب. وحتى موقف الخارجية الفرنسية المنتقد لمنع جريدة «لوموند» يبقى غير مفهوم،

فجريدة «لوموند» ليست ناطقة باسم قصر «الإليزيه»، وإنما هي جريدة تصدرها شركة خاصة. وإذا منعت في بلد ما فإن من يتكفل بانتقاد هذا المنع هو منظمات الدفاع عن حرية التعبير وليس الخارجية الفرنسية. وحتى لا يعطينا أحد الدروس في حرية التعبير دعونا نراجع سجل فرنسا، حيث يسجل التاريخ سوابقها في مجال منع ومصادرة وحجز الجرائد والمجلات والكتب. سنة 1991، ومع بداية حرب الخليج الأولى، قرر وزير الداخلية الفرنسي الاشتراكي «بيير جوكس» منع مجلة «الوطن العربي» من الطبع والنشر في فرنسا بسبب خطها التحريري المساند لأفكار صدام حسين. هكذا، منعت فرنسا الاشتراكية على عهد «فرانسوا ميتيران» مجلة عربية من الصدور على أرضها واشترطت، من أجل عودتها إلى

الأكشاك، تغيير خطها التحريري وضخ أموال سعودية وكويتية في رأسمالها. وهكذا، غيرت المجلة اتجاه خطها التحريري بضغط فرنسي، وأثر هذا في رئيس تحريرها اللبناني «وليد أبو ظهر» إلى أن مات مؤخرا بسبب المرض. وفي السنة ذاتها، منع وزير الداخلية الفرنسي مجلة «كل العرب» التي كانت تصدر من باريس، للأسباب والدواعي نفسها. وفي 30 نونبر 2004، طالبت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري الفرنسية ومجموعة من البرلمانيين مجلس الدولة بمنع التقاط قناة «المنار» اللبنانية في كل التراب الأوربي بتهمة معاداة السامية. وفي 13 دجنبر من السنة نفسها، أصدر مجلس الدولة أمرا بمنع القمر الصناعي «أوتيلسات» من بث قناة «المنار». في مارس من سنة 1987، قرر وزير الداخلية الفرنسي «شارل باسكوا» منع دخول الجريدة الجزائرية «البديل» والتي كان يصدرها معارضون جزائريون لاجئون في أوربا. وسبب المنع كان هو أن ما تنشره هذه الجريدة يمكن أن

تكون له عواقب سيئة على العلاقات بين باريس والجزائر؛ أو بعبارة أخرى، تم منع دخول الجريدة استجابة لما يسمى «Raisons d Etat» أو»منطق الدولة». سنة 1997، حجز وزير الداخلية الفرنسي «جان بيير شوفينمان» كتابا علميا من رفوف المكتبات عنوانه «مذبحة «أورادور»: نصف قرن من التمثيل»، والتهمة كانت هي التشكيك في المحرقة النازية. ولو أردنا أن نحصي سوابق الدولة الفرنسية مع حجز الصحف والمجلات والكتب التي لا تتماشى ومصالحها العليا لاحتجنا إلى أكثر من عمود؛ لكننا نكتفي بهذا القدر، لعل الذين يعتقدون أن قدرنا كمغاربة هو أن نستمر في تلقي

الدروس من الخارج ونجلس، مثل تلاميذ كسالى، بانتظار شهادات حسن السيرة والسلوك من «تيكوا» و»سيمبريرو» وأشباههما من الصحافيين الذين يكتبون عن المغرب من باريس ومدريد. زمن الحجر والوصاية يجب أن ينتهي يا سادة، وآن الأوان لكي يصنع المغاربة حاضرهم ومستقبلهم بأيديهم

12
 

cplespilettes | Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | Blog du niveau intermédiaire
| paroisdedouche
| Gregmontres